الفصل الاول
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خشبه المسرح خاليه من أي أثاث إلا من سرير يرقد عليه شخص وحوله العديد من الأطباء , المسرح مظلم إلا من دائرة ضوء بيضاء مسلطة على السرير وعلى وجه الجثة الهامدة الراقدة عليه , وحتى الاطباء لا تظهر وجوههم داخل الدائرة المضيئة , وبعد عده لحضات من الصمت يغطى الأطباء راس الجثة بالدثار الأبيض ويخرجون …وما يزال الصمت مستمرا للحظات أخرى .
المسرح ما يزال مظلما ودائرة الضؤ البيضاء ما زالت مسلطة على الجثة المغطاة بالدثار الأبيض وتبدو حركه من تحت الدثار ويكشف الميت رأسه للجمهور وينظر إليهم مبتسما ومن ثم يهبط من السرير الى الأرض …لا يرتدى إلا ثوبه الأبيض .حافي القدمين ,مكشوف الرأس , دائرة الضؤ البيضاء تلاحقه فى تحركاته الدؤبه على المسرح يتحرك وهو يفرد ذراعيه ويحركهما وكأنه طائر ابيض قبل أن يرجع الى السرير وجلس عليه ونظر الى الجمهور .
الميت :- مرحبا .. انتم بالطبع لا تعرفون من أنا ؟؟وماذا فعلت ؟؟ وأصارحكم القول أنني أنا أيضا فى هذه الللحضه ..وحتى قبل هذه اللحضه لم اكن اعرف من أنا … لماذا جئت ؟؟لماذا عشت ؟؟لماذا توقف النبض فى قلبي قبل لحضات؟؟ وأيضا لا أدرى لماذا أريد أن اكشف نفسي أمامكم في هذه اللحضات ؟؟ربما أريد أن أتخلص من ذنوبي عن طريق الاعتراف بها ؟؟ربما !! أتعرفون من أنا ؟؟لا داعي لذكر الأسماء ؟؟فلم يعد الاسم بالنسبة لى مهما ..على الأقل الآن .. سأقول لكم ما فعلته !!سأقول لكم ما فعلته !! الحكاية هي …حكايتي بالطبع !! أنى عشت فى أسره فقيرة …غاية فى الفقر …تسكن منزلا ترابيا رخيصا وبجانبنا كانت هناك عائله أخرى ..عائله ثريه …تملك قصرا ..غاية في الروعة !!!غاية في الإتقان !!! .
عشت حياتي حاسدا لهم ولأطفالهم !!كانوا ولدا وبنتا ..كنت احسدهم كثيرا ..وربما كان هذا الحسد هو الذي جعل منى الرجل الذي ستعرفونه قريبا !! الرجل الذي ستنظرون الى حقائقه ..حقيقة تلو الأخرى ..طفل الأغنياء !!ذلك الذي يأكل ما يريد ويرتدى ما يريد ؟؟كل أوامره كانت مطاعة ..وكل طلباتي كانت مرفوضة !!عندما اصبح شابا ذلك الطفل الغنى …أصبحت أنا أيضا شابا …زاد الحقد ؟؟وزادت شهوة الحسد فى نفسى
!! حدثت نفسي أن اذهب إلى مكان أخر عسى أن أجد فيه رزقا ارجع به إلى منزلي الترابي واصرخ فى وجه الشاب الغنى ها أنا ذا ولكن حدث شي بغيض عندما قررت أن اذهب فى نفس اليوم الذي قررت فيه أن اذهب ..لن أقول لكم عليه ..لأنكم ستعرفونه قريبا !!! سافرت وسافرت ولكن لا شي من أحلامي تحقق انظروا ( يفرد كفيه أمام الجمهور ) لا شي !! لا أريد أن أخبركم بما فعلته طوال سنين حياتي التى كنت فيها ما زلت حيا والدماء تجرى فى عروقي … لانه سيأتي من يخبركم فانتظروا ولا تتعجلوا وستشاهدون الكثير .
تمدد الميت على سريره و أعاد الدثار فوق رأسه وأغلقت الستار .
الفصل الثاني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المسرح ما يزال مظلما, خاليا من الأثاث , إلا من السرير والجثه الهامدة المغطاة بالدثار الأبيض , دائرة الضؤ ما تزل مسلطة على السرير ودائرة ضوء بيضاء أخري مسلطة على باب من الأبواب المرسومة على الجدار وفتح الباب شيخ هرم يرتدى هو أيضا ثوبا ابيض اللون ؟؟ حافي القدمين ,مكشوف الرأس
الشيخ :- انهض يا بنى ؟
الميـت:- (صمــــت)!!
الشيخ :- قلت لك انهض ؟
الميـت:- من أنت ؟؟ماذا تريد ؟؟( يرفع الدثار من على وجهه وينظر الى الشيخ المحاصر بدائرة الضوء الخاصة به )
الشيخ :- أنا والدك !!
الميت باندهاش :- أنت من أين أتيت ؟؟ من أي زمن قذفت !!( يستوي واقفا ويخطو باتجاه الشيخ حتى تندمج الدائرتان مع بعضهما البعض )
الشيخ :- من البعيد أتيت ؟؟والى البعيد سأذهب ( يخطو الشيخ في أرجاء المسرح وتنفصل الدائرتان عن بعضهم البعض مره أخري كل دائرة ضؤ تحيط بشخص )
الميت :- ماذا تريد ؟؟؟لماذا رجعت ؟؟
الشيخ :- ما يزال فى القلب حديث ؟؟فى الروح عتاب وهاقد حان الوقت لاحدثك بما لم أحدثك إياه !!
الميت ساخرا :- الوقت !!الوقت !!نحن هنا لا وجود للوقت يا والدي !!
الشيخ :- لا تتهرب من الحديث ؟؟بسخافاتك !!
الميت :- لن أتهرب من شي !!طوال عمري لم أتهرب من شي !!
الشيخ :- بل طوال عمرك وأنت تهرب ؟؟ لا تنكر ؟؟ هربت من المنزل الفقير ؟؟من الوطن الفقير ؟؟هربت من نفسك الفقيرة ؟؟أوهامك الفقيرة ؟؟أحلامك الفقيرة ؟؟
الميت :- عرفت الآن لماذا جئت ؟؟جئت تذكرني بحياتي الكئيبة ؟؟
الشبخ :- بل جئت أذكرك بحياتك التعيسة ؟؟هناك فرق ؟؟
الميت :- والدي ؟؟ والدي ؟؟ أرجوك …من الذي جعل حياتي كئيبة ؟؟الست أنت !! من الذي جعلها تعيسة وفقيرة ؟؟الست أنت !! أنت الجذر وأنت من غرست نبته الحقد !!
الشيخ :- بل أنت من كانت أحلامك مجنونة !!
الميت :- نعم ..نعم أنا مجنون !! أنا مجنون يا والدي !! أيعجبك ذلك ( يتحرك فاردا ذراعيه فى أرجاء المسرح كالمجنون ودائرة الضوء البيضاء تتابعه بإصرار )
الشيخ :- لا يعجبني ذلك ( يتحرك باتجاهه حتى يتواجهان وتصبح دائرتي الضؤ دائرة واحده مزدوجة )
الميت :- إذا ما الذي يعجبك يا والدي العزيز ( يهرب من عيني والده وتنفصل الدائرتان من جديد )
الشيخ :- أن نتحدث ؟أن نتسائل ..ما الذي جعل منك هذا المسخ البغيض ؟؟
الميت صارخا :-أنت !!أنت ولا أحد غيرك !! كل ذنوبي !! كل سيئاتي ..سأضعها على عاتقك حتى تجثو على الأرض من جور ما تحمل !!
الشيخ :- كل نفس بما كسبت رهينة !!
الميت :- كل طفل عندما يولد ينظر الى العالم بعينيه الصافيتين !! الواسعتين ..ينتظر ممن أوجدوه !! عيشا كريما ..وحياه هادئة وجميلة ..فإذا به يكبر ويكبر لتكبر أحلامه معه ..لتكبر أحقاده معه … لتكبر معه كل أفكاره المجنونة.. وأنا كمثل كل طفل ولدت … وخرجت إلى الدنيا بنفس العينين الصافيتين … الواسعتين .. فإذا بى أشاهد أمام منزلنا الترابي الرخيص قصرا فخما بداخله طفل يملك كل الألعاب …والخادمات ينظفن له فمه عندما يأكل وينظفن له مؤخرته عندما يستفرغ .. أما أنا ..أما أنا … فالألعاب الرخيصة لى ..بل والألعاب المجانية التى كنت اخترعها أنا والأصدقاء كانت لى ولكنها كانت مملة … عندما كان يمتلى فمي بالتراب لا أجد من ينظفه لى إلا أنا …عندما تمتلى مؤخرتي بالفظلات كنت انتظر حتى تأتى والدتي من أعمالها الكثيرة كخادمه في القصر وخادمه فى منزلنا الترابي الرخيص .. لتنضفها لى كنت احلم باليوم الذي تهرع فيه والدتي إلى عند حاجتي إليها وقبل أن تتيبس الفظلات ويصبح تنظيفها مولما .
الشيخ :- كانت الحياة صعبه ؟؟
الميت :- ولكنها كانت ممكنة ؟؟بقليل من الجهد الإضافي كان من الممكن أن أحس بالحنان المفقود ولا اصبح فيما بعد ذلك الشخص المعتوه الخالي من المشاعر .
الشيخ غاضبا :- قليل من الجهد الإضافي ؟؟قليل من الجهد الإضافي ؟! آي جهد ؟؟وأي إضافي ؟! لقد كان اليوم لا يكفى للوفاء بالتزاماتنا !!
الميت غاضبا أيضا :- ومع ذلك !! ومع كل ذلك ؟؟لم نكن نحظى ببطن ممتلئة إلا في الأعياد !!أما في الأيام العادية فقد كانت نصف المعدة تكفى !!
الشيخ :- هل الجوع من فعل بك هذا ؟
الميت :- نعم الجوع من فعل بى هذا !! الجوع المستمر هو من جعل منى ذلك الحاقد …الحاسد فالجوع يا والدي العزيز يصنع أبشع البشر وأكثرهم ديكتاتورية !! ومع
ذلك !!ومع ذلك ..فليس الجوع وحده من فعل بى ذلك .. ليس الجوع وحده ..دعني أتذكر !! دعني أتذكر !!
الشيخ :- ماذا تريد أن تتذكر من حياتك التعسة !!
الميت :- لا تتحدث !! دعني أتذكر فقط !! أنت يامن كنت تعمل فلاحا فى القصر فى حديقة القصر … كنت تلاعب الطفل الغنى بالساعات على ارجوحات الحديقة !! وتقطف له الورود التي تعجبه ..كنت أشاهدك من البعيد و أتمنى أن تلاعبني للحضات ولكنك لم تكن مشغولا الا به !! وعندما ترجع الى منزلنا الترابي الحقير كنت سرعان ما تغط فى نوم عميق حتى من دون أن تكلف نفسك بقبله واحده لى أتذكر هذا ؟؟أنا اذكر هذا بوضوح ؟
الشيخ :- كنت أقضي اليوم بأكمله اعمل فى حديقة القصر !!
الميت :- نعم !!نعم وكنت تقضى فى منزلنا الليل بأكمله ولكنك كنت صامتا ..مغمض العينين وشخيرك يملا الأرجاء !!
الشيخ :- إذا ؟
الميت :- إذا ..لا تزعجني بأحاديثك التي ظللت تجمعها طوال سنوات فى قبرك الرخيص ..تأكد تماما أن لى لسانا أدافع به عن نفسي وان كل ما جمعته طوال سنوات وأنت تنتظرني سأفنده لك واحدا تلو الأخر !!
الشيخ :- يا لك من معتوه !! يا لك من معتوه !!
الميت :- اذا سأعيد لك السوال !! لماذا جئت من البعيد ؟؟ ( دائرتي الضؤ البيضاوين تتابعهما فى تحركاتهما الدؤبه على الخشبه )
الشيخ :- جئت أعاتبك فإذا بك تعاتبني !! ومع ذلك فقد جئت لاسالك سوالا واحدا فقط … احتفظت به طوال مده إقامتي فى قبرى !! لماذا جعلتني أموت دون أن انظر إليك النظرة الاخيره ؟
الميت :- متى كان ذلك ؟
الشيخ :- عندما كنت هناك فى البعيد وأنت ما زلت حتى لفظت أنفاسك الاخيره قبل لحضات في البعيد .. أغمضت عيناي المرة الاخيره وأنا أرجو الله أن أراك ..بعد كل ما فعلته قبل أن ترحل إلا أني كنت أريد أن أراك … ولكن لا شى من أمنياتي تحقق ..فقد كنت هناك فى البعيد … فى الأقاصي ؟؟ لماذا ذهبت ولم ترجع ؟
الميت :- هربت منك !! من منزلك الترابي الحقير !! من العمل الشنيع الذي قمت به قبل أن ارحل .. من القصر ..من والدتي من كل الأشخاص الذي اعرفهم … كنت أريد أن أحيا ( ضرب الأرض بقدمه غاضبا وصارخا ) كنت أريد أن أعيش !!
الشيخ هازئا :- وهل حققت ذلك ؟
الميت :- اهتم بشئونك فقط !!
الشيخ :- إذا سأعيد السوال لماذا لم تأتى لتراني بعد أن هربت من دنيانا الحقيرة ؟
الميت :-ببساطه هو انى لم اكن أريد أن أراك !! لم اكن أريد أن ارجع إليك والى الفقر !!
الشيخ :- بعد أن عشت بيننا زمنا ..ذهبت واختفيت فى الأفق!! ساعتها أحسست انى خسرت !! الخسارة الحقيقية أن تشاهد ولدك يذهب الى ارض الضياع !!
الميت :- بل الخسارة الحقيقية أن تبقى فى ارض الضياع ..ارض الغنى القذر !!
الشيخ :- ولدى !!ولدى !!
الميت :- ولدى ..ولدى ..لا تكرر هذه الكلمة .. لا أب لى !! فقد نسيته منذ أن ذهبت !! بعد أن استمتعت طويلا بحياة الحرية …ها أنت الآن تحاصرني بسخافاتك !!
الشيخ :- استمتعت !! وهل استمتعت حقا ؟
الميت :- قلت لك اهتم بشئونك فقط .. نعم استمتعت أليس البعد عنك وعن كل شى له صله بك استمتاعا فى حد ذاته !!
الشيخ :- كم فى قلبك من الحقد ؟
الميت :- الكثير ..الكثير يا والدي لقد خلقت من تربه الحقد ..من ماء الحسد !!
الشيخ :- عندما جئت إليك ألان كان كل ضنى انك ستهرع لتقبل كفاى وتقول لى سامحني يا والدي ..كنت سأسامحك لتذهب الى الله طاهرا من بعض ذنوبك الجسام ولكنك كما كنت دوما خيبت ظني !!
الميت :- لا أريد عفوك ..لا أريد غفرانك ..دعني لذنوبي ..دعني لسيئاتي ؟؟
الشيخ :- تأكد دائما أن هذه هي فرصتك الاخيره فلن تراني مجددا !!
الميت :- ولا أريد أن أراك مجددا ( انتصب واقفا كالرمح ودائرة الضؤ البيضاء تحيط به )
الشيخ :- إذا قضى الأمر !!
الميت :- نعم قضى الأمر !!
استدار الشيخ وتوجه نحو الحائط ودائرة الضؤ ما زالت تحيط به إلا أن فتح الباب واختفى فى الجدار واختفت معه دائرة الضؤ المحيطه به وتجول الميت فى ارض المسرح للحضات ورجع متعبا الى سريره وتدثر بدثاره الأبيض ودائرة الضؤ البيضاء ما زالت تحيط به .
الفصل الثالث
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المسرح ما يزال كما هو مظلما إلا من دائرة بيضاء حول سرير الميت ومن الباب الثاني دخلت سيده عجوز فأحاطت بها على الفور دائرة ضؤ بيضاء ..كانت ترتدى ثوبا ابيض اللون وعلى رأسها حجابا ابيض وخطت عده خطوات الى منتصف المسرح ودائرة الضؤ تلاحقها حتى توقفت في منتصف المسرح
السيدة العجوز :- من أحشائي إلى أحشاء الارض !! كم مرت من السنون التي قضيتها فى رحلتك الطويلة يا بنى ؟؟يا من احب ؟؟
الميت غاضبا :- ما بالكم تزعجونني هيا ألحقي بزوجك فقد رحل قبل قليل (تحدث بذلك وهو يقذف بدثاره من على جسده ويهبط من على سريره ويخطو باتجاهها )
السيدة العجوز :-ما يزال لدى حديث !!
الميت :- لقد تحدثت وزوجك ولا أظن أن هناك شي جديد !!
السيدة العجوز :- بل هناك جديد !!
الميت :- أمي ..أمي .. الحقي بزوجك أرجوك فلم تعد بى رغبه بالحديث !!
السيدة العجوز :- حتى ولو لم تكن لديك رغبه فهذه هي فرصتي الاخيره ولن أضيعها ؟؟
الميت :- إذا …إذا ماذا تريدين ؟؟
السيدة العجوز :- أن أراك ..أعاتبك ( تحركت نحوه فابتعد عنها )
الميت :- تحدثي بما لديك وأذهبي …لا أريد عناقا ..لا أريد حنانا فقد كفرت به !!
السيدة العجوز :- كفرت بأمك ؟
الميت :- لست وحدك ..فقد كفرت بكل شئ .
السيدة العجوز :- كم أنت ظال ..من الذي فعل بك ذلك ؟
الميت :- تحدثت بذلك لزوجك ولكن لا باس أن أعدت ما قلت … الست أنت من كنت تسارعين إلى طفل الأغنياء وابنتهم عندما يبداون بالبكاء ..؟ بينما أنا فى المنزل أبكى طوال اليوم ولا أحد !! لا أحد يقول لي توقف ..أو أن يحتضنني !! الست أنت من كنت تغسلين طفل الأغنياء مرات عده في اليوم بينما أنا بالكاد تتفرغين لى مره فى الأسبوع بعد أن تكون الأوساخ قد تراكمت على جسدي …( هازئا ) هذا أن كنت متفرغة ؟؟
السيدة العجوز :- كان لا بد لنا أن نعمل لكي نجد لقمه العيش ؟؟
الميت :- نعم لقمه العيش التي لم تكن تكفى لنمله !!
السيدة العجوز :- هذا ما كنا نستطيع توفيره !!
الميت :- نعم ..نعم هذا ما كنتما تستطيعان توفيره رغم انك كنت تعملين على توفير لقمه العيش بأساليبك الخاصة ؟؟
السيدة العجوز :- ماذا تعنى ؟
الميت :- قد رايتك يا أمي !! قد رايتك ؟
السيدة العجوز خائفة :- ماذا رأيت ؟!
الميت :- الرجل الغنى من كان يطمئن إلى وجود والدي فى الحقل …فى حديقته حتى يأتي إلى منزلنا .. رايتك أنت وهو ..نعم يا أمي مره تلو المرة ؟؟نعم كنت تجتهدين يا أمي فى توفير لقمه العيش !!
السيدة العجوز :- متى رأيت ذلك ويحك ..متى رأيت ذلك ؟
الميت :- منذ زمن بعيد ؟عندما كنت جميلة ؟ فقيرة وجميلة !! من الطبيعي أن تستمتعي بحياتك ..ولكنك لا تعرفين …ولن تعرفين أن تلك المناظر ظلت معي حتى أخر لحظه فى حياتي ظلت تلك الصور تظهر أمامي فى كل شي حولي تخنقني وتكتم أنفاسي !!
السيده العجوز :- لن اقدم أعذارا …لن اقدم تفسيرات .. كل ما أستطيع التحدث به هو أنى كنت مرغمه على ذلك … فما كنا نكسبه لن يكن يكفى ؟
الميت :- نعم ..نعم لم يكن يكفى ..وحتى بعد أن بعت جسدك للبدين الغنى لم يكن يكفى أيضا ..
السيدة العجوز :- جئت أعاتبك فاذا بك تعاتبني !!
الميت :- تعاتبوني على ما فعلت ؟؟ السوال هو لماذا فعلت ما فعلت !! لماذا هربت !! لماذا قتلت !! لماذا لم ارجع .. انتم من فعل بى ذلك طفلا فشابا ..رجلا وعجوزا هرما … كل شي فعلته !! كل جريمة ارتكبتها كانت من صنعكم انتم …انتم من صنعتم هذا المجرم ؟؟
السيدة العجوز :- العاجز فقط من يلقى بتبعاته على شماعة غيره !!
الميت :- فلدى قال أنى مجنون وأنت تأتين الآن لتقولين أنى عاجز وماذا بعد ؟؟وماذا بعد ؟؟
السيدة العجوز:- نعم وماذا بعد يا بنى وماذا بعد ؟؟
الميت :- ماذا بعد !! ألحقي بزوجك ؟! هذا كل شى ؟.؟
السيدة العجوز :- ما يزال بداخلي حديث..عتاب ؟؟
الميت :- إذا هاتى ما عندك وأذهبي !!
السيدة العجوز :- لقد أغمضت عيناي للمرة الاخيره وذهبت إلى الله وأنا أتمنى رويتك !!
الميت :-لقد تحدث زوجك نفس الحديث … تحدثي بشي جديد !!
السيدة العجوز :- أتريد شيئا جديدا إذا اسمع ؟؟؟ أنا أمك التي حملتك فى أحشائها وأرهقت فى تربيتك حتى إذا ما أصبحت شابا ذهبت الى البعيد !!
الميت :- لقد تحدث بذلك زوجك ما بالك لا تأتين بشي جديد .. قلت لك تحدثي بشي جديد!!
السيدة العجوز مستاءة :- ماذا تريد !!
الميت :- لا أريد شيئا إلا أن تتركوني ؟!
السيدخ العجوز :- لن أتركك قبل أن نخرج كل ما فى قلوبنا .
الميت :- سيدب فيك الحزن …جبال من الحزن اذا أخرجنا كل ما فى قلوبنا … دعينا لا نذكر الماضي ؟؟ أمي !! أمي دعينا لا نذكر الماضي ؟
السيدة العجوز :- بل نذكره وكل واحد منا يسامح الأخر !!
الميت :- لن أسامحك!!لن أسامح أحدا عاهدت نفسي منذ كنت شابا أن لا أسامح أحدا ؟؟؟أنت يا أمي يا من كنت تتركيني طوال اليوم فى المنزل الترابي الحقير وأنت هناك تعملين كخادمه فى قصر البدين الثرى وكمومس تحت جسد البدين الثرى … طوال عمري عشت وحيدا …عندما كنت طفلا عشت وحيدا ..عندما كنت شابا عشت وحيدا .. وحتى عندما هربت واختفيت عشت وحيدا أيضا انظري يا أمي هل تشاهدين بجانب سريري ا ى أحد يبكى على أطفال أو زوجه أو أصدقاء … لقد توفيت قبل لحظات ولا توجد عين واحده تذرف دمعه على ..طوال عمري كنت وحيدا ..لن أسامح أحدا ( يصرخ ) لن أسامح أحدا ؟؟
السيدة العجوز :- أما أنا فسأسامحك فلن احتمل رويتك تتعذب ..
الميت ساخرا :- لن يكون عذاب الاخره بابشع من عذاب الدنيا … الوحدة يا أمي هي العذاب الأكثر آلاما .
السيدة العجوز :-كأنك لا تريدني أن أسامحك ؟
الميت منتصبا :- نعم أنا لا أريدك أن تسامحيني .. قد جاء زوجك …قد جاء زوجك ..وتحدث نفس هذا الحديث ؟؟ كان يقول سأسامحك يا بنى فصرخت فى وجهه لا أريدك أن تسامحني أيها العجوز الهرم … فذهب مطاطي الرأس … ألحقي وراءه هيا أذهبي ؟
السيدة العجوز :- كم أنت ظال يا بنى !!
الميت :- طوال عمري كنت ظالا ومت ظالا وسأبعث حيا وأنا ظال أيضا لا جديد يا أمي لا جديد !!
السيدة العجوز :- اذا فقد انتهت مهمتي ؟؟
الميت :- كما انتهت مهمة زوجك …أذهبي ؟؟
السيدة العجوز :- رغم كل شي سأقول لك انى أسامحك فأنت من احب الحب الحقيقي للمراءه والذي لا جدال فيه ولا تكذيب هو حبها لوليدها ..أنا أسامحك !!
الميت :- لكنى لن أسامحك يا أمي …لن أسامحك لن أنسى أبدا انك كنت تنظفين أفواه الأطفال من الشوكولا وفمي مملوء بالتراب لا أجد من ينظفه لى لن اغفر لك منظرك وأنت تتلوين خزيا وعارا تحت البدين الغنى لم أسامح وأبدا لن أسامح !!
وتوجهت السيدة العجوز إلى الباب الذي دخلت منه ودائرة الضو البيضاء الخاصة بها تتابعها إلى أن خرجت وانطفأت دائرة الضؤ الخاصة بها ولم يتبق إلا دائرة الضو الخاصة بالميت الذي اتجه إلى سريره منهكا اكثر من أي وقت مضى وتدثر بدثاره الأبيض وغرق فى موت عميق .
الفصل الرابع :-
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المسرح ما يزال كما هو مظلما إلا من دائرة الضوء البيضاء المسلطة على السرير والجثه الراقدة على السرير ..والمسرح ما يزال خاليا من الأثاث وسلطت دائرة ضؤ بيضا على باب ثالث دخل منه رجل فى منتصف عمره …فى الأربعينات .. يلبس ثوبا ابيضا وحافي القدمين مكشوف الرأس واتجه مباشرة نحو منتصف المسرح ودائرة الضؤ الخاصة به تتابعه .
الرجل :- انهض يا صديقي !!
الميت :- ما هذا اليوم البغيض ( ابعد الدثار عن وجهه ونهض من على السرير )
الرجل :- انه اليوم الذي توفيت به يا صديقي ؟
الميت :- وهل جئت لتقدم إلى العزاء ؟؟
الرجل :- نعم جئت أقدم لك العزاء .. رغم انك لم تأتى لتقدم لأسرتي العزاء ؟
الميت :- يبدو من مظهرك انك توفيت شابا؟؟
الرجل :- نعم ..نعم كان الجوع يستبد بى أنا وأطفالي دخلت فى جنح الليل أسرق لأطفالي بعض الطعام من قصر الغنى ولكن حراسه أردوني قتيلا .
الميت :- إذا نحن في الهم سواء ؟
الرجل :- لم نكن يوما في الهم سواء !!
الميت :- ماذا تقصد ؟!
الرجل :- أنت هربت وأنا بقيت !! أنت اخترت الذهاب بعيدا أما أنا فبقيت فى ذلك الشارع الترابي الحقير .. اعمل ..واعمل … تزوجت… أنجبت الأطفال … وكما والدي ..وكما والدتي عملت فى أراضى الثرى الممتدة إلي ما لا نهابه !!
الميت :- وبعد …وبعد اخبرني بقصتك يا صديقي !!؟
الرجل :- لا شي …لا شي ..كنا أطفالا نلعب أنا وأنت وبقيه الأطفال ألعابنا الوهمية ؟؟ أنا ذهبت وأنت بقيت … أصبحت شابا فرجلا ..تزوجت …أنجبت الأطفال … عملت فلاحا فى أراضى الثرى ؟؟ لم تكن حبات القمح التي يوزعها علينا تكفى ومع ذلك تحليت بالصبر طويلا ..طويلا … سنينا من الزمن كان الصبر على الجوع هو همي الوحيد .. الا أن دب اليأس فى قلبي وذهبت الى قصر الثرى فأراحني حراسه من الصبر ومن الحياة !!
الميت :- أتذكر طفولتنا ؟
الرجل :- كانت سعيده !!
الميت :- بل كانت تعيسة !!
الرجل :- كنا نلعب سويه !!
الميت :- نعم بالتراب !! وبكرات الحجارة التى كانت تدمى القدمين !!
الرجل :- لكننا كنا نضحك !!
الميت :- ضحكات جوفاء .
الرجل :- كنا نمرح .
الميت :- مرح مزيف ! نضحك به على أنفسنا ؟؟
الرجل :- طوال عمرك كنت نزقا !!
الميت :- وأنت طوال عمرك كنت محدود التطلعات !
الرجل :- كنت راضيا بما قسم الله لي ؟؟
الميت :- أما أنا فلم اكن راضيا ولن أكون راضيا !!
الرجل :- عندما كنت شابا كنت غاضبا طوال الوقت ألان عندما أصبحت عجوزا هرما ما زلت غاضبا طوال الوقت !!
الميت :- ما الذي يمكن أن يجعلني فرحا الفقر …المهانة !!
الرجل :- تذكر أحلامك …أحلامنا معا !!
الميت :- طوال عمري لم تكن لدى أحلام إلا الهروب من الواقع الى البعيد … لم تكن لدينا أحلام يا عزيزي … كما قلت لك أنت تختلف عنى اختلافا جذريا ..ما هي أحلامنا معا أتذكر ؟
الرجل :- نعم أتذكر ذلك الحلم ..حلم المراهقة والصبا كنا نحلم معا أن تصبح لدينا أرضا ملكنا نحن أن نزرعها ونقطف ثمارها لنا وان نتزوج في يوم واحد !!
الميت :- نعم أتذكر هذا الحلم ؟؟ لكنى عندما أصبحت شابا أفقت على الواقع المر … ساعتها قررت الرحيل وأنت قررت البقاء ..
الرجل :- ساعتها افترقنا ؟
الميت :- وافترقت أحلامنا !!
الرجل :- لم تصبح لدينا أرضا نزرعها معا ونجنى ثمارها معا !!
الميت :- ولن تكون يا صديقي ولن تكون !!
الرجل :- لماذا لن تكون يا صديقي ؟؟لماذا لن تكون ..لو كنت بقيت لكانت … ولكنك ذهبت أخذت أحلامي معك !!
الميت :- لو كنت بقيت لجننت وأصبحت عبئا عليك وعلى أحلامنا لذلك قررت الذهاب …قررت الرحيل ؟؟
الرجل :- الضعيف وحده هو من يهرب من واقعة !!
الميت :- نعم أنا ضعيف ؟؟ ولكن أنت ما الذي فعلته بالبقاء .. بالزواج … والموت فى قمة الرجولة … ربما تركت أطفالك جياعا .. وربما تركت زوجتك نهبا للأثرياء .. هه
والدي قال أنى مجنون ووالدتي قالت انى عاجز وها أنت تقول أنى ضعيف وماذا بعد ..وماذا بعد ؟؟
الرجل :- نعم ..وماذا بعد ؟؟
الميت :- أريد ان تنتهي هذه الليلة الجهنمية ؟؟
الرجل :- أنها ليله وفاتك الليلة التي ستواجه فيها الحساب الأصغر .. كل من يحبك ..كل من يكرهك سباتي ليعاتبك …تجهز .. يجب أن تتجهز للمزيد يا صديقي فما يزال الطريق فى منتصفه والليلة ما زالت بعيده عن منتصف الليل !!
الميت :- إذا ؟
الرجل :- عند منتصف الليل وعندما تدق الساعة اثنا عشر مره سينتهي كل شي وستذهب إلى الله أما ألان فأنت ما زلت الميت الحي … الحي الميت …لا فرق !!
الميت :- إذا أبقى معي إلى منتصف الليل فرفقتك أهون بكثير من رفقه الآخرون !!
الرجل :- لا أستطيع فقد انتهى دوري !!
الميت :- دورك!!
الرجل :- نعم …لكل منا زمن محدد يأتي إليك ليحدثك بما يريد وها قد تحدثت إليك بما كنت أريد … جئت فقط أعاتبك على أحلامنا التي أضعناها سويه !! فلا أنت كسبت ولا أنا كسبت وأصبحنا نحن الاثنان مجرد وقود لجهنم !!( يتجه نحو الباب الذي جاء منه ودائرة الضؤ البيضاء تلاحقه )
الميت :- لا تتركني …لم اعد أريد المزيد من الذكريات .. والوجوه المعاتبة والغاضبه ؟
الرجل :- لا أستطيع يا صديقي …لا أستطيع ؟؟
الميت :- نحن أصدقاء وأنا أرجوك ..فلا تخيب رجائي !!
الرجل :- لم يعد هناك وقت ..لم يعد هناك قرار !!
الميت :- إذا اذهب طوال عمرك كنت تتركني عندما أكون فى حاجه إليك …
الرجل :- وأنت طوال عمرك كنت تهرب ممن يحتاجون إليك !!
الميت :- إذا نحن متساوون !!
الميت :- نعم نحن متساوون …إلى اللقاء فى جهنم !!
الميت :- نعم إلى اللقاء فى جهنم !!
واندفع الرجل من الباب الثالث الذي دخل منه ودائرة الضؤ تلاحقه بثوبه الأبيض ..حتى فتح الباب وخرج منه فانطفأت الدائرة الخاصة به وبقيت دائرة ضؤ تلاحق الميت الذي اتجه متهالكا اكثر من أي وقت مضى إلى سريره أعاد الغطاء على رأسة.
الفصل الخامس :-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المسرح ما يزال كما هو مظلما ..خاليا من الأثاث إلا من السرير والجثه المسجاة عليه مغطاة بالدثار الأبيض .. ودائرة الضؤ ما تزال مسلطة عليه … ومن الباب الرابع دخلت فتاه في العشرينات ترتدى ثوبا ابيضا حريريا وحجابا ابيض ..حريري أيضا واتجهت بخطوات متمهلة إلى منتصف المسرح … ودائرة الضؤ البيضاء تلاحقها .
الفتاه :- انهض يا من كنت احبه كثيرا ..
الميت :- من هناك !!( يرفع الدثار من على وجهه وسرعان ما ينهض من سريره فرحا ويتجه إليها )
الفتاه :- لا تقترب ؟؟لا احتمل لمساتك ؟
الميت :- كنت تحبينها كثيرا !!
الفتاه :- كنت مغفله !!
الميت :- بل كنت عاشقه ؟؟
الفتاه :- عشقت من لا يقيم وزنا للعشق ؟؟؟ أحببت من كفر بالحب منذ أن كان طفلا ؟؟
الميت :- كنت احبك ؟
الفتاه :- وماذا فعلت بى أتذكر ؟
الميت :- كنت بعيده المنال … صعبه الوصول إليك كنت الغنية الثريه وكنت الفقير المعدم ؟؟
الفتاه :- اكنت تحبني حقا آم كنت تريد أن ترقى إلى مستوانا ؟
الميت :- كنت احبك كثيرا اقسم بذلك ؟
الفتاه :- دائما ما كان شقيقي يحذرني منك .. ومن أطماعك ولكن الحب كان يسد أذناي عن سماع أي شي عنك ؟؟
الميت :- شقيقك الدنيء ..طوال عمري كنت اكرهه ..و
الفتاه مقاطعه :- وتكرهني أيضا قلها ولا تخف ؟
الميت :- لا أنكر أنى كنت أكرهك فأنت وشقيقك أنتما الاثنان كنتما تظلان في حجر والدتي طوال اليوم لترجع إلى منهكة لقد سرقتم طفولتي أنت وشقيقك …
الفتاه :- وبعد ؟
المزيد