(1)
ثلاثتنا لم نستطع الدخول إلى المحاضرة، رغم أنى كنت أحث الخطى,أحث الخطى، إلا أنى كنت متأخرا أساساً، كان مجهودي وخطواتي السريعة، تذهب أدراج الرياح، وكذا الأمر لمحمد فما زال كما هو محباً للنساء، عاشقاً لهن، وذهب وقته سداً أيضاً في مغازلة إحدى الفتيات في الشارع بدلاً من المجى الى المعهد، وبعد أن غازلها لبعض الوقت، كشرت له عن أنيابها، تركها وجاء ولكن الأوان كان قد فات.
أما فارس فقد ظل يدور بجواده الحديدي في طرقات العاصمة، ربما كان يبحث عن شىء ضاع منه، أحلامه أو شبابه، أو عزة نفسه ولكنه لم يفز بشيء لا الكرامة المفقودة، ولا المحاضرة التي فقدت أيضاً، ولم يأتي إلا وقد أغلق باب القاعة في وجوهنا نحن الثلاثة.
وكما هي العادة دائماً جلسنا حول طاوله من طاولات مطعم المعهد، لا توجد فتيات ننظر إليهن، أو عشاقاً يتناجون ونسخر منهم، كانت جلسة صامته، نمج فيها دخان سجائرنا، نرشف فيها كؤؤس الشاي.بصمت، بتكلف، بحزن، بحنق، بلوعة، بشبق، بتروي، بتكاسل، بكل ما نحمله من هموم، وشجون، وأوهام، وأحلام، وكوابيس، وبدا محمد بالكلام بإقتراح مفاجى..
ـ لنذهب الى مقهى الإنترنت …
كان إقتراحا مرعبا فرغم أن مقاهي الإنترنت كثيرة العدد في المنطقة المحيطة بالمعهد وبعض المقاهي خفضت قيمه الدقيقة الى ريال واحد فقط إلا أن كل ما كنت أملكه هو عشرون ريالا ذهب نصفها في قيمه السيجارة وكأس الشاي وبقى نصفها لسيجاره أخرى وكأس شاي آخر بعد ساعة أو ساعتين، فمن أين لي وصارحته قائلا :-
ـ لا يوجد معي أي نقود ؟
وكأنه كان يعرف ذلك مسبقاً فقد أجابني :-
ـ أنا أملك مائة ريال وهى تكفي لساعة ونصف من الزمن، هيا يا أصحاب، لقد أثارتني فتاه لعينه، يصطدم بها الشباب دون ممانعة منها، وعندما غازلتها أصيبت بغنجٍ مفاجىء وبدءات تتراقص في مشيتها وما أن أخبرتها أنى أملك دكان حتى هاجت، وماجت، ربما كانت تعتقد أنى أسكن في القصر الجمهوري، تلك السخيفة، وتراجعت عن الحديث معي وممازحتي..أكاد أن أنفجر ولن أتخلص مما يضايقني إلا بمشاهده بعض المناظر على الإنترنت.
أحاط فارس كفي بكفه وهو يغمز لي بحنان:-
ـ لنذهب طالما أننا لن نخسر شيئا.
ـ أتملك نقودا ؟
ـ أعطاني والدي قيمة بنزين للموتور ولا أظن أننا سنحتاج لذلك فالدقيقة بريال واحد فقط وهذا يعنى أننا سنظل نشاهد ساعة سنشاهد خلالها عشرات الصور، فلنذهب، لن نخسر شيئا، ثم دعنا ولو لمرة واحده نجعل هذا الكريه يخسر نقوداً في سبيل إمتاعنا ولا تنسى أننا سنعوض المحاضرة المملة.. بمحاضره الإنترنت .. هيا .
وجذبني من كفي و أحاط بي الإثنان، وبدأنا رحله المجون، كانت لحضات رائعة شاهدت خلالها العشرات من النساء العاريات، صوره لإمراءه عارية وجذابة، وصوره أخرى لرجل أسود يعتصر أمراءه شقراء بقسوة، وصوراً أخرى لا أتذكرها، كل ما أتذكره هو صوره لإمراءه سوداء الشعر وعيناها تشبهان كثيرا عيني عالية، هل عالية وهى عارية تبدو كهذه المراءه، لا اعتقد فعالية أجمل منها بكثير، وأن كانت عيناهما متشابهتان.كم أحببت تلك الصورة، انطبعت في خيالي، ووجداني، كانت ساعة زمن، مترعة باللذة، والجنون، والنشوة، وعدنا الى المعهد، كأن آذان المغرب قد نودي به ونحن مشغولون بما نشاهد، فلم نسمع له صوتاً، وانتهت الاستراحة ونحن ما زلنا منهمكون في المشاهدة، ورجعنا لنشاهد أن باب القاعة قد أغلق أيضا وضحك فارس وهو يشتم الدكتور :-
ـ كم هو قذر، يدعى الإنضباط هاه، لايقل عهراُ عن نساء الإنترنت.؟؟ فليذهب إلى جهنم هو ومحاضرته المملة.
وصرخت محتجا :-
ـ ها قد ذهب اليوم بدون أي فائدة تذكر، كل هذا التعب والمشي لساعة متواصلة عند الذهاب والإياب، يذهب سدىً، هكذا دون أي فائدة تذكر، حقيقة أنه لا يقل عهراً عن نساء الإنترنت، هذا المدعى الانضباط أتفوه،
وتجاوب الاثنان معي بحماسه وهم يبصقون على الأرض بصقات عديدة لا أدرى ما كنا نبصق، أكنا نبصق الحنق، الغضب ؟، أم كنا نبصق إحساسنا بتفاهتنا، أكنا نبصق كرامتنا على الأرض، وظهر جواد فارس الحديدي في البعيد فصفر فارس ملتفتا إلينا:-
ـ عندما أصفر له يأتي إلى كحصان ببيرو في مسلسل الأطفال النسر الذهبي ما كأن اسمه ؟؟
ـ جوبيتر !!
ـ نعم هذا هو إسم جوادي، جوبيتر ؟؟
ـ كم أنت مدعى !!
ـ كم أنت مغرور
ـ كم أنا معتزا بنفسي، هيا لنذهب إلى رأس عصر، أريد مكاناً عالياً يجاور النجوم ويعطيني إحساساً بالحرية ولا يوجد أجمل من رأس عصر لنشاهد من خلاله صنعاء من المبتداء إلى المنتهى، لنذهب إلى الصرح التذكاري للجنود المصريين، أريد أن أشاهد العاصمة، أريد أن أتنفس هواءً نقياً.
كانت فكرته جميله..وكان الوقت مبكرا ونفذنا الفكرة , ربع ساعة فقط كنا نجلس على بلاط الصرح المصري، نشاهد العاصمة، كان فارس قد اشترى نصف علبه من السجائر من نقود البنزين التي أعطاها له والده وظللنا هناك لساعة من الزمن نمج السجائر بشراهة، نشاهد العاصمة تحت أرجلنا، واستنشق فارس كميه من الهواء وصرخ بفرح :-
ـ فلتعش الحرية ؟
ورددنا صراخه بنشوة :-
ـ تعيش، تعيش، تعيش.
وصرخ بفرح أكبر
ـ وليأكل والدي فظلات المجارى، وليسكر ببول إمراه حائض ؟
وبعد ضحكة نشوه رددنا :-
ـ فليأكل وليسكر، فليأكل وليسكر
وهمس محمد لفارس قائلا :-
ـ لكن البول الذي في المجارى مغشوش، مخلوط بالمياه، تعال لتأخذ لوالدك قارورة من عندي فهو بول معتق، ومركز.
وأعجب فارس بإقتراح محمد وصرخ قائلا:-
ـ فليشرب والدي بول صديقي محمد المعتق :-
ورددنا من وراءه قائلين :-
ـ فليشرب، فليشرب ؟؟؟
وبصقت أنا بصقةً ضخمةً في وجه العاصمة صنعاء..صارخا :-
ـ عليك اللعنه يا صنعاء، لينزل عليك غضب الرب، فلا يبقى ولا يذر إلا عالية فقط.
وردد الاثنان دعائي قائلين :-
ـ أمين، لينزل عليك غضب الرب، ولا يبقى في العاصمة إلاحبيبة صديقنا على.
وعقد محمد حاجبيه قائلا :-
ـ ولكن، عندما ينزل الغضب بصنعاء، فلن تبقى أية أنثى، يا لك من أناني يا على، ستظل عالية لك أنت وحدك ونحن سنظل ندور في الشوارع.
إحتضن فارس محمد وهو يقول:-
ـ دعة هو وحبيبته أما نحن الاثنان سنكتفي ببعضنا !!
كنت قد إنتهيت من سيجارتي فأعطانى فارس سيجاره أخرى وأشعلها لي فقلت لهم :-
ـ ما أملكه هو لثلاثتنا، عالية لنا نحن الثلاثة !!
صرخ فارس فرحا :-
ـ يعيش على الاشتراكي.
وصرخ محمد بفرح اكبر :-
ـ بل يعيش على ، الاباحى، الغير مهتم بكل المحرمات، والممنوعات، والعادات، و العيب، والحرام.
أخذتنى النشوة من كلام محمد فصرخت بهم :-
ـ نحن لا نخاف؟، أليس كذلك، نحن لا نخاف!!!
ردد الاثنان صراخي بنشوة ورددت معهما :-
ـ نحن لا نخاف ، لا نخاف ، لا نخ
أوقفنا فارس باشإره من يده :-
ـ بماذا ينذرنا الله بالنار ، نقول له، لا نخاف، إذا كنا سندخل النار معا فستكون النار جنه، فلنفعل ما بدا لنا، ما نريده، فنحن لا نخاف النار طالما كنا سويه.
كان الشيطان قد إستبد بي فوقفت فيهم أخطب بصوت مرتفع :-
ـ أليست النار دافئة، ألسنا نبحث عن الدفء، إذا النار هو ماواءنا المفضل، وكرنا الدافي.
أحاط فارس نفسه بذراعيه وقد غزاه الحزن فجاءه قائلا :-
ـ نعم أنا أبحث عن الدفء، طوال عمري، نعم أنا افتقد الدفء عندما أستلقي وحيداً على فراشي لا أحلم إلا بالدفء أهذا مطلب مستحيل، لماذا حرم علينا الدفء!
ـ والحب !!!
ـ والكرامة وعزه النفس والحلم الجميل …!!
كان الشيطان قد إستبد بي أكثر منهما فصرخت يهما:-
ـ ثم أن النار تصقلنا، أحلم باليوم الذي سأدخل فيه جهنم، ساعتها سأتعرى، وأغتسل بدوش ساخن من الحمم التي كالقصر تسقط من الأعلى، فتصهرني، وتعيد تشكيلي من جديد، إنساناً خالياً من الأحقاد والشر، والكراهية والمقت، وكل الألفاظ الشريرة، والنابية، والكاذبة، تصقلني لأرجع كقطعه زجاجية خرجت تواً من المصهر، نـقيةً، لامعةً، خاليةً من الشوائب، والعوالق، كم أحلم بدوش ساخن من الشرر والحمم البركانية.
وجد فارس أن الشيطان بداء يتوغل كثيراً فينا، فإنتهز إنتهاء لفافة التبغ التي بين أصابعه، وألقى بها على الأرض طالباً منا الرجوع، كان يوما مميزا، ولكنه إنتهي نفس النهاية فما يزال فارس يعانى لسان والده الحاد ومحمد يشكو الوحدة وأنا أشكو الفقر وهجران عالية لي حتى في أحلام البقظه المصحوبة مع العادة السرية، كانت الساعة قد أصبحت السابعة، فنحن لم نحضر الجزء الثاني من المحاضرة وقضيناه في رأس عصر، ولذلك فقد رجعنا إلى المنازل في نفس توقيتنا اليومي، ولم يدخل محمد الى دكانه رغم ذهابنا، كان يشكو الوحدة ويخاف الصور المعلقة على الجدران، ولم أدرى ما الذي حصل له بعد أن تركناه.
(2)
أصبح فارس نزقاً، ربما لأنه سيتركنا ويذهب إلى العذاب اليومي المتكرر، فبعد أن ترك محمد أحس أنه سيتركني أنا أيضاً، فمنزلي أصبح قريباُ ولكنه سلك طريقاً أخر وقبل أن أعترض همس لي قائلا:-
ـ سنذهب في نزهه، لا أريد أن أرجع إلى المنزل؟
همست له أنا أيضا :-
ـ إذا لماذا تركنا محمد بجانب دكانه، كنا سنأخذه معنا، كن سيسعده ذلك ؟؟
ـ أحسسته متعباً، وحانقاً فلم أشاء أن أثقل عليه.
ـ إلى أين سنذهب ؟
ـ إلى لا مكان، سندور وندور إلى ما لا نهاية في هذه الدائرة الجهنمية المفرغة.
أحطت خصره بذراعي حتى إلتفتا عليه و أسندت ذقني على كتفه هامسا ً:-
ـ ما بك؟ أحس صدرك يحترق.
ـ أكاد أجن، يا على، أكاد أجن، لا أريد أن أرجع إلى المنزل، أعرف ما ينتظرني ولكن أين أذهب ؟
ـ تذرع بالصبر !!
ـ قد أنتهي ولم يعد لدى إلا بقاياه !!
شددت عليه وهمست في أذنه :-
ـ سننتهي من المعهد، سنعمل، سنتحرر، ستجد الأموال طريقا إلى جيوبنا، سوف ننال الاستقلال !!!
ـ ما يزال أمامنا سنه ونصف، سأجن قبل أن تنتهي نصف هذه المدة !!!
ـ أنت تبالغ كثيراً يا صديقي
طفرت دمعتان كبيرتان من عينيه ذرتهما الرياح بإتجاهي، أحسست طعمهما المر بين شفاهي، لم أكن اعرف أنه يخفي، كل هذا الحزن؟؟؟ ..كل هذا الشعور بالإضطهاد، والإستعباد، والتنكيل، كنت أعتقد عندما يكلمني عن ما يفعله والده , أنه يبالغ كثيرا ولأول مره أحس أن كل ما كان يشكو منه هو بعض ما يلقاه ..والجواد الحديدي ما يزال ينهب بنا الطرقات بلا توقف.
ـ لا أريد الذهاب إلى السجن، إلى العذاب والمهانه، سأظل طوال عمري أنهب الطرقات على جوادي الحديدي حتى نموت أنا وهو على قارعة الطريق ؟
بضحكه حنونة أجبته :-
ـ ستتفكك صواميله، وستهترىء عجلاته قبل أن تصل إلى الثلاثين !!
ـ أحس أنى لن أعيش إلى ذلك الوقت، سيأتي اليوم الذي أدخل فيه تحت عجلات سيارة ونموت نحن الاثنان أنا وجوادي !!
ـ ولماذا لا تفعل ذلك الآن لنموت ثلاثتنا !!
بضحكه نزقه أجاب :-
ـ لا أريد أن يستفيد والدي من مبلغ الدية
ـ جواب مقنع للغاية، إلى متى سنظل ندور ؟
ـ هل تعبت، يا من أحبه كثيراً ؟
ـ مؤخرتي أصبحت كالصخرة، من الجلوس المستمر على الكرسي في المطعم وعلى كرسي مقهى الإنترنت، وعلى بلاط صرح الشهداء المصريين، وعلى جوادك الحديدي ؟
دار بموتورة في إتجاه الشارع المجاور لبيتنا قائلاً :-
ـ قريباً نصل !!
ـ المستقبل ،فارس سيكون جميلاً !!
ـ لا أظن ذلك، فكل شي ملطخ بالسواد ؟؟الحرقة في اللسان والحلق, هي الداء المتأصل، سنظل كما نحن، كما نحن !!
ووصلنا إلى منزلي، وترجلت وأنا مازلت أنظر أليه، أدقق في ملامحه، كان الحزن ما يزال يملاء وجهه ، عينيه البنيتان الصافيتان كمدتا، وأصبح لوتهما كتيباً، أزعجني منظره كثيراً، وإتجهت إلى باب المنزل، قلبي مقبوضا بشده وأنا أراه يبتعد، ويبتعد، ويبتعد.
، الحياة تسقمنا، والحزن يملاء ليالينا، ثلاثتنا نتقلب، كل على فراشه، يحلم بلا انتهاء، يبكى بلا وجود لأحد يمسح دموعه، المستقبل الغامض، الكرامة المفقودة، ديدننا، أحسست أن ثلاثتنا نمشى الى الجنون بخطى واثقه، كل الثقة، أه يا وطن، أه يا نحن، أه يا كل من أحب، ومن أكره، ومن نحب، ومن نكره، ندور كالجمل حول معصرة السمسم … وأعيننا مربوطة، دون أن ندري متى ننتهي من الدوران ومتى نصل إلى الحقيقة الساطعة، شباباً نحن، نعم، لكن قلوبنا تشيخ سريعاً، أصبحنا شيوخاً نزقين، متهمون حتى قبل أن تثبت إدانتنا، أيادينا تمتد إلى من يغتالها، وأيادينا تمتد إلى من يقطعها بسكين صدىء، إلى أين ، إلى متى ؟، كيف ؟، لاأدري.
أرجع إليك، يا جميلة الجميلات، يا من تخرجيني من أكثر الأجواء كآبه وحزن، يا عالية، في الحقيقة إختلطت على الصور في هذه الليلة ياعاليتى، فتارة تأتين أنت، وتارة تأتي إحدى النسوة اللواتي شاهدتهن نهار اليوم على الإنترنت، وأتقلب على فراشي، وتتقلبين معي، نعتصر بعضنا، ونرتشف رحيق شبابنا، وعندما أنتهي من عادتي السرية، أراك تبتعدين، وتبتعدين، ومع كل خطوه تضحكين نفس الضحكة الساخرة، العذبة والمعذبة، حتى تصلين إلى النجوم، وتتحولين الى نجمه براقة، مضيئة، لامعة، مبتسمة، ضاحكه، ساخرة، مستهزئة، الى متى يا عالية ستظلين تسخرين منى ؟، .إلى متى، إلى متى ؟،..
(3)
تركوني وحيداً كما كل يوم، تركوني وحيداً، لماذا اليوم بالذات سيدخلون إلى دكاني، هل يفكرون بالإنتحار حتى يدخلونه، لا أظن ذلك، لن أدخل إليك أيها الدكان البغيض، يا من تحمل في داخلك كل تلك الروائح الكريهة، هذه الشوارع المظلمة، المليئة ببراميل القمامة، والأطفال الشعث، الغير، اللاعبون الأستغمايه، أكثر نقاء منك وأكثر نظافة، وحيداً عشت، وحيداً سأموت، وحيداً سأبعث وحيداً سيكون لي وادي في جهنم، أعيش فيه وحيداً، يعرف الله تماماً أني لا يعذبني الجحيم، ولا النار، ولكن تعذبني الوحدة، واظنه إختار لي هذا العذاب في الدنيا والأخره، هاأنا على الأتوبيس رقم إحدى عشر، رجلا بالطبع، أجوب الشوارع وحيدا، أثرثر مع نفسي، أمج لفافتي، وتجتاحني خواطر سكسيه، ومن ثم أعود إلى الوحدة وإلى دكان تملؤه الصور وقوارير مترعة بالبول.
كان يفكر هكذا عندما توقفت أمامه سيارة، من ذوات الدفع الرباعي، لتهبط منها، حوريه، عروس بحر، كانت حانقه فقد أغلقت بوابه السيارة بعنف، والدموع تملاء عينيها وأن كانت لم تخرج من دموعها قطره واحده، واللعنات المجنونة تخرج هامسةً من فمها كسيل عرم … كانت تمشى بهدوء في ذلك الشارع الطويل، المظلم واقترب منها سائلا :-
ـ لماذا لم تمضى السهرة مع صاحب السيارة ؟
إلتفتت إليه غاضبه ولم تلبث ملامحها أن لانت، ظهر ذلك في عينيها اللتين إجتاحهما الصفاء قائله:-
ـ لم يكن يملك نقودا فتلمس بعض أجزائي ثمنا للتوصيلة !!
دس كفيه في جيبي بنطاله وقد فاجئنه صراحتها ولكنه قال:-
ـ كلنا لا نملك نقودا ، كلنا مترعين بالحب !
سدت الطريق أمامه:-
ـ الحب عندي يعنى النقود!
كانت الساعة قد وصلت إلى السابعة والنصف ولكن من الواضح أنها لم تهتم لذلك :-
سألها وهو يسترق النظر إليها ويعاود النظر الى الطريق
ـ ومن لا يجد نقودا
ـ لا يجدني !!!
تنهد تنهيدة حارة وهو ينظر إلى البعيد :-
ـ المدينة أصبحت أكثر بروده، والناس أصبحوا متجلدين، أحلم بالدفء، بالجنون ، بالحب !!
كان من الواضح أنه يريد شخصاً يتحدث معه حتى ولو كانت أمراءه لا يعرفها إلا منذ لحظات وتجاوبت مع أحزانه، كان من الواضح أنها أيضا تحمل الكثير من الأحزان:-
ـ كذلك أنا، ولكن ما من أحد يملك الدفء، الحب في هذه المدينة، يتعاملون معي كبالوعة تمتص فظلاتهم مقابل النقود، لا أهتم بذلك، كل ما يهمني هي بعض الأوراق الملونة، هل لديك بيت !!!؟
ـ وهل تريدين أن يكون لدى بيت … ؟.
ـ لقد أثارني بلمساته، الثرىء ، لأول مره آري شخص يركب سيارة موديل (ليلى علوي) ولا يملك في جيبه حتى ألف ريال ؟؟
ـ أملك دكانا ذو رائحة كريهة ولكنه دافيء فهو مغلق طوال الوقت، أعيش فيه وحيداً !!
ـ أهو قريب ؟
ـ في الجوار !!
نظرت إليه متفحصة من وراء نقابها :-
ـ أنت لا تملك نقوداً ؟
ـ أملك الحب !!
ـ لنذهب لنرى ما هو الحب وما مذاقه !!
بجسده الشاب، وحرارته المختزنه، ودفء الدكان المغلق طوال الوقت، وعلى مراءى عيون المطربات المعلقات على الجدار، كانت ساعة من اللذة، من الشبق، من الآهات المتلاحقة، من الحب، من الالتصاق الحميم، لأدم وحواء، كل روائح التاريخ تداخلت بين الجسدين الشابين …. كل ما حُرم، كل ما عوقب لأجله على مر التاريخ، كل ما يعتبره البشر غير لائق، طرد الى الخارج، إلى الشارع، قذف في سله المهملات.
لم يبق من الحياة إلا ذكراً يتلمس بأصابعه، ويقبل بشفتيه، ويحتضن بذراعيه، أنثي تتلوى، مغمضه العينين، مبتسمة الشفتين، كل شئ تداعى، الحواجز، الستور، الممنوعات، المحرمات، الحياء، وتشهد على ذلك كل المطربات المعلقات على الجدران، ساعة من الزمن، نهبت منه، سرقت، ولكن الزمن نفسه كان راضيا بأن تسرق منه، بل يقال أنه هو من أعطتهما الساعة بيديه، بملء إرادته، فالزمن لا يبخل بساعات الحب ولكن من يملكون الزمن يبخلون.
المزيد