ضمـــــــــــــــــانـــــــــــــات

ضغط ... مـناصرة ... أوسع نــطاقا ... أكثر تــأثيرا


قبض الريح - رواية - باب بداية

يناير 21st, 2008 كتبها مدونة ضمانات لحقوق الانسان نشر في , روايات - الادب فى خدمة الحقوق

 

(1)
 
قدماه تغذان السير، وكميه من الكتب والملازم والدفتر الضخم تحت إبطه الأيمن، كان النهار في منتصفة، المحاضرة ستبداء قريبا، بعد ربع ساعة على الأكثر، ذلك الدكتور البغيض، الذي يرفض دخول أي طالب بعد أن يدخل هو، ربما لا يعرف أن بعض الطلاب لا يملكون ثمنا لأجرة باص، خمسه عشر ريالا وهم كثر على الأرجح، هو منهم، فها هو، كل يوم، كل يوم، منذ أن إستطاع التسجيل في المعهد قبل شهر ونصف، وهو ما أن يكمل طعام الغداء التي تحضره والدته الكسولة، ولا تنتهي من تحضيره إلا في العصر حتى يلبس ثيابه ويهرول في شوارع العاصمة، إلى المعهد، سريعا، سريعا، عسى أن يصل قبل الدكتور و إلا لن يدخل مطلقا وذهب تعب الهرولة دون فائدة، دون فائدة.
 
كانت الطرقات قد أصبحت تعرف طعم قدميه، بالحذاء البلاستيكي القاسي، الرخيص الذي يخدش الإسفلت، بدلا من أن يخدشه الإسفلت، كانت الطرقات تعرف تماما قدميه المهرولتين عند الذهاب والمتمهلتين عند الإياب.
 
مجموعه في الثانوية العامة لم يكن قويا وكان من الممكن أن يذهب رأسا إلى التجنيد لو تقدم في التخرج سنة واحدة، فقد تجند زملاوءه اللذين سبقوه ونجحوا في السنة الأخيرة من الثانوية العامة إلى التجنيد مباشره، وما زالوا هناك في المعسكر، يتدربون، يتشاجرون، يتعاركون، يقومون بالخدمات الملقاة على عاتقهم، منتظرين نهاية سنتي التجنيد ليهرعوا إلى الجامعات والمعاهد، عساها تقبلهم.
 
كان سقوطه في السنة الأخيرة من دراسته قد جاء بالخير عليه فهاهو الآن بعد أن أعاد السنة، يجد نفسه وفد سمع يوما قرار الحكومة بإلغاء خدمه التجنيد الإجباري، ساعتها ابتسم طويلا وهو يتذكر يوم سقوطه ورؤيته لأصدقائه وهم يرحلون فوق شاحنات الجنود، تذكر حزنه الكبير وهو يشاهد اسمه في الكشوفات وبجانبها كلمه مكتوبة بالخط العرض، راسب، وردد قائلا، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم وواصل طريقه مسرعا إلى المعهد.
 
رغم عدم وجود عمل يمتهنه، ورغم أنه لم يجد خلال الشهر والنصف الماضي وظيفة ما إلا أنه فظل أن يدرس في المعهد المتوسط نهارا عسى أن يجد عملا يوما ما، خلال السنتان القادمتان، لكي يعمل في الصباح ويدرس في المساء، ويصرف على نفسه مما يكسبه ولكنه يدرس الآن ولا يعمل، لم يكن يبحث عن عمل بشكل جدي فهو يسهر إلى ساعات متأخرة من الليل وينام إلى ما بعد أذان الظهر في الجامع المجاور لمنزله، ولم يكن هناك أملا أن يجد عمل في الشهور القادمة أو في السنين القادمة هامسا لنفسه:-
ـ كان غيرك أشطر !!
كان هدوئه، وتحركانه البطيئة، وغبائه المستتر، وتمهله في هذا الشأن يجعله بعيدا كل البعد عن الفوز بوظيفة ما.
 
ووصل إلى المعهد، كان معهدا متوسطا يعطى شهادات في المحاسبة، الإدارة، السكرتارية، الحاسوب، همه الأول وأمنيته الأولى هي الدخول في تخصص المحاسبة عله يفوز بوظيفة ما عند التخرج، من تخرج، إلى تخرج ولا يبدو أن هناك أملا في العيش، النجاح، الفوز بعمل ما، ولكن هذا ما اخبره به العديد من زملاوءه في المعهد أن تخصص المحاسبة مطلوب بشكل كبير في سوق العمل، هذا عدا ما يعطيه هذا التخصص من قيمة اجتماعيه حسب رأيه.
 
 كان يرفض تماما فكره التخصص في السكرتارية زاعما أن هذا التخصص للفتيات فقط، أما الآن فما زال يدور كالثور في كل التخصصات ولن يفوز بإحداها إلا في السنة الثانية رغم أنه يركز بشكل أكبر على المحاسبة عسى أن يستطيع أن يفوز بها.
 
المعهد أصبح على مرمى النظر، والمحاضرة ستبدأ بعد خمس دقائق على الأكثر وأسرعت خطاه بكل ما يحمله من ملازم وكتب ودفاتر، والسيارات تنهب الطرقات بجانبه، والعديد منها تتوقف على بوابه المعهد لينزل منها الطلاب والطالبات أما هو فلم بكن بملك أجره الباص رغم أنها قليلة ولا تتعدى الخمس عشر ريالا وأندفع مع جموع الطلاب من باب المعهد مسرعا إلى الداخل يسابق الطلاب والطالبات وكأنه يريد أن يقول لهم:-
ـ حتى لو أتيتم على سياراتكم أو حتى طائراتكم فما زلت أملك قدمين تسابقان الريح …
ومع أخر دقيقه من الساعة الثالثة عصرا دخل إلى قاعه المحاضرة وجلس على كرسيه المعتاد ليلحق بعده دكتور المادة رافضا دخول أي طالب بعده.
 
كان سعيداً والنشوة تجتاح جسده فهو رغم إفلاسه ينتصر على من يملكون السيارات ويدخل هو وهم ما يزالون في الخارج.
 
وما أن أغلق الباب حتى أندمج الدكتور مع اللوح الأبيض المعلق على الجدار يكتب على سطحها بعض السطور بقلمه الأزرق الضخم.. وهمس فارس صديقه في أذنه قائلا:-
ـ لماذا تأخرت، ؟لقد كدت أتعارك مع بعض الأشخاص بسبب الكرسي الذي تجلس عليه، كانوا يريدونه فأنت تعرف أن الكراسي قليلة والطلاب كثر!!
بزفرة ممجوجة أجاب على:-
ـ لا يوجد معي إلا خمسه ريالات، هذا كل ما أملكه، سأشرب بها كأس شاي عند الاستراحة ؟؟ه الحمد لله أن لدى ساقان قويتان تستطيعان أن تجوبان أنحاء صنعاء من نقم إلى عصر دون تعب !!
همس فارس في أذن على وهو ينظر إلى الدكتور المتشاغل مع اللوحة المعلقة على الجدار :-
ـ لقد قلت لك أكثر من مره أنى أستطيع أن أتى لأخذك من البيت فوق الموتور سيكل الذي أملكه ، وها أنت ترى أنى أتى به كل يوم إلى هنا ولا يركب ورائي احد ..
ـ يكفي أنك ترجع بي إلى البيت أحيانا ، لا أريد .
وأرتفع صوت الدكتور مغطيا على همس التلاميذ معلنا بداية المحاضرة، كانت المحاضرة كغيرها من المحاضرات التي تواترت على الطلاب طوال الشهر والنصف الماضي، كل يوم، كل يوم، يأتي دكتورا ما ليشرح درسا من الدروس ويذهب، ألا يوجد لهذا العلم من نهاية ؟.
 
رحل فارس على موتوره في الاستراحة بالمحاضرة، كان أذان المغرب وفترة ربع الساعة التي تليه هي فتره الاستراحة، كان العديد من الطلاب يهرعون إلى مسجد المعهد، أما على فقد سارع إلى مطعم المعهد، لشرب كأس رخيصة من الشاي.
 
لم يكن على من المصلين، يستغل الاستراحة للذهاب إلى مطعم المعهد الواقع وسط الحديقة التي تحيط بمبنى المعهد من كل إتجاه، الكثير من الطلاب كانوا مشغولين بأكل شيء ما أو شرب شيء ما، مما جعل على يبتسم محدثا نفسه:-
ـ لست وحدي الذي لا أصلي , هذا أفضل , كي لا أكون شاذا وسط الطلاب!!
 
وانتهت الاستراحة، وبدأ الجزء الثاني من المحاضرة، وانتهى أيضا لتبداء رحله العودة الطويلة إلى البيت، كانت الساعة قد تجاوزت السابعة، والمنزل بعيد، لو كان يملك أجرة باص، لدفعها بحماس لأول باص يمر بجانبه حتى يقترب أكثر من البيت، في الأيام التي كان يملك فيها نقودا، كان يستقل الباص، ولم يكن يمشى من موقف السيارات إلى منزله إلا ببضع دقائق، لكنه الآن سيظل يمشى طويلا، كانت الأفكار تسيطر عليه وهو يخطو بتمهل على الإسفلت، ذلك الإسفلت الذي يعرف قدميه المهرولتان في النهار والمتمهلتان في المساء، وبدا يحدث نفسه:-
 
ـ أه يا وطن، بداخلك من يملك سيارة برادو، من يملك سيارة بنصف عمر، كر سيدا، شاص، مازدا، تزحف زحفا، ما دامت تمشي على الإسفلت فلا بأس إن كانت بطيئة، أو متهالكة بعض الشيء.
 
بداخلك من يملك موتورا مزعجا يعوى كذئب جائع في كل شوارع صنعاء، أزقتها، وبداخلك من يملك دراجة، وبداخلك من يمشى على قدمين، كثرُ هم من يمشون على قدمين، السواد الأعظم هم، وأنا ممن يمشون على قدمين، أنا ممن لا يملكون خمسه عشر ريالا ثمنا لأجره حافلة كبيرة، أو باص صغير، أنا ممن يستعبدون أقدامهم لتمشى بهم كيلو مترات طويلة، طويلة، طويلة، متى سينتهي هذا العذاب ؟ لا عمل، لا نقود، لا أمل في مستقبل أفضل، متى ستجد النقود طريقها إلى جيبي .
 
 هاهي عالية، جميله الجميلات، وأذكى فتيات المعهد، تستقل السيارة التي إنتظرتها طويلا، من يقود السيارة، هل هو شقيقها ؟.، أنه جميل جدا، وسامته تحكى جمال شقيقته التي لم تستطع، بالبالطو، والنقاب أن تخفي جمالها الذي يخرج عنوةً من بين كل السنور، وحتى فارس، فارس الشلة، وحاميها، وكريمها، بعد أن وعدني بإيصالي إلى البيت، فإذا به يتنصل من وعده ويهرب في الإستراحة، ربما ليتجول بموتوره في أنحاء صنعاء، متخيلا ذلك الهيكل المعدني الصدى، جواداً عربياً أصيلاً، يصهل في كل طرقات العاصمة، تباً له.
 
حتى محمد لم يأتي اليوم للمعهد، ما بالهما ؟ لست أدرى، محمد يوما يأتي ويومين لا يأتي، أنه لا يريد أن يدرس، لا يريد أن يتخرج، ربما يريد أن يظل في المعهد مستمتعاً بصحبه الطالبات، القديمات، الجديدات، لست أدرى، لو أتى اليوم لكنت أنا وهو اليوم راجعون ونحن نتسلى بالحديث، في هذا الشارع، شارع العدل، الطويل، الطويل، تماما كعدد الأيام التي تظل فيها القضايا داخل هذا المبنى الدائري المسمى، وزاره العدل، ربما بنى دائريا هكذا ليدلل للمتخاصمين أن القضايا ستظل تدور، وتدور، وتدور، وتدور، وتدور، وتدور، إلى ما لا نهاية.
 
 في هذا الشارع الطويل، شارع العدل، لو كان محمد هنا لأصبح قصيراً، فهو حجه في التسلية، ولكنه الآن، هه، لا أحد يدرى أين هو، ماذا أصابه ؟، لو كان هنا لأدخلني عنوةً في المنافسة التي يخترعها، وهى جذب أنظار الفتيات إلينا، هو أستاذ في ذلك، يساعده جسده الأسطوري، وإبتسامته اللذيذة، وذقنه (السكسوكه) التي يتفنن في جعلها على أخر طراز، من خطوط موضة اللحى العالمية، وهذا عدا قدرته على الدخول في حديث مع الفتاه، أي فتاة، مهما بلغت درجة تزمتها، لا بد أن تتحدث معه لأنه الوحيد القادر على ذلك، هه! عندما يصطاد فتاة ونمشى معها هذه الطريق، الطويلة، الطويلة، إذا الطريق تقصر، وتقصر، فإذا بها بضعة أمتار.
 
 أين أنت الآن يا محمد، يا صعلوك، أنت لا تريد الدراسة، أنت لم تدخل المعهد إلا من أجل الفتيات، اللواتي يدرسن بداخله، إذهب إلى الجحيم يا محمد، كم أنت متهور، شبق، متى تنتهي هذه الطريق ؟
 
 لو كان لدى نقود،كثيرة، أيها الوطن، يا من لا يجد بداخلك شاباً مثلي مالاً، حتى لو تخرجت بعد سنتان من المشي المتواصل، من المنزل إلى المعهد، ومن المعهد إلى المنزل، ربما بعد ذلك الجهد لن أجد عملاً أيضاً، أين سأذهب؟ماذا سأفعل؟أريد نقوداً، هل هذا مطلب كبير؟، لا أريد نقوداً كثيرةً، كل ما أريده هو القليل منها، هاهو الدكتور اللعين، بعد أن أتم محاضرته المملة يصرخ قائلا:-
ـ لمزيد من المعلومات إشتروا الملزمة التي في ركن التصوير ؟
تباً له، سحقاً له، قمامةً له، من أين لي بمئتى ريال ثمناً لملزمته الغريبة الأطوار، من أين ؟، من أين ؟، وغداً سيأتي يوم أخر، دكتور أخر , يعني ملزمة أخرى يتعين علينا شراؤها، ماذا يتخيل هؤلاء ؟، أننا نرقد على نقود لا تعد ولا تحصى، تحت البلاطة ربما!! لا أعرف، حقيقة لا أعرف، قالها صريحة هذا الدكتور الغبي:-
ـ ملزمه اليوم تشمل الباب الأول وفي الأسبوع القادم سنناقشها وسنبدأ في الباب الثاني وأنا أجهز ملزمة الباب الثاني من الآن فاطمئنوا !!
 
-أوه- يبدو أنه أخطاء فليس من المفروض أن يقول إطمئنوا ولكن من المفروض أن يقول، كل واحد منكم يحجز بضعه ألاف من الريالات داخل جيبه قبل أن يأتي إلى المعهد، وفي النهاية تقول الحكومة أن التعليم مجاني، وأن التأهيل والتدريب، المهني، التقني، للجميع، أوه، نحن نعيش في خدعه كبيرة هنا!! ومع ذلك، فليذهب الدكتور وبابه الأول، والثاني، وكل أبواب المادة السبعة، كعدد أبواب جهنم، إلى اقرب بالوعة في حمامات المعهد، والغريب أن هذا الدكتور بالذات، ينزل ملازمه من الحجم الثقيل، كأني به متؤاطي مع ركن التصوير، ليعطيه ملازم في وزن الفيل، وليس في وزن الريشة، أو وزن الذبابة، أو وزن البعوضة، وأن كان لابد في النهاية من وزن ضخم نوعا ما، فليكن ملزمه في وزن الصرصار، متى تنتهي هذه الطريق، لقد تعبت وأنا ما زلت في منتصفها،
ـ هيه أين كنت لهذه الساعة ؟
نظرت إليه الفتاه بعينيها اللامعتين من وراء الحجاب:-
ـ لا دخل لك ؟؟؟وقح
ـ نمشى سويةً، نتكلم معاً، نتسلى، حتى تنتهي هذه الطريق !!
ـ أمشى وحدك ؟؟؟وقح
همس لها بإنفعال:-
ـ بنات الناس لا يجلسن في الشوارع حتى هذه الساعة
وكمن لدغتها أفعى همست بصوت كالفحيح:-
ـ أتتركني أو أصرخ لأجمع عليك الناس …وقح !!
وإبتعد عنها، وقطع الطريق إلى الرصيف المقابل وهو ما يزال يهمس لنفسه:-
ـ ما بالها تلك الفتاه، كالأسطوانة المشروخة، وقح، وقح، وقح، وقح، كالإنسان الآلي عندما يتعطل ويظل يردد كلمه واحده، أين أنت يا محمد، لو كنت هنا لكنت إستطعت، بإبتسامتك العذبة، جسدك الرياضي، وجهك الوسيم، لحيتك (السكسوكه) المشنقة ربما من كلمه (سكس) أي جنس، إباحية، خلاعة، مجون، لا بد أنها اللحية، من تجعل الفتيات يهرعن إليك، على الأقل أنت تملك نقودا وإن كانت قليلة، إلا أنك تستطيع أن تدعو الفتاه التي استطعت، إغواءها، على كأس من الليمون، أما أنا فلو كانت وافقت تلك، الوقح، على مسايرتي لكنت الآن أتسول منها ثمن أجره الباص، تباً لي، سحقاً لي، بصقةً ضخمةً لي، يا للهول، كانت ستصبح مشكله حقا لو حدث ووافقت تلك، الوقح، على مسايرتي، لا يوجد معي حتى أحاديث أستطيع محادثتها بها، وجيبي كالكأس بعد غسيله، وجسدي كل ما فيه ضئيل، ووجهي ملى ببثور حب الشباب، المتفجرة، قيح، روائح كريهة، كما أنى لا أملك لحيه سكسوكه، إذا ماذا أملك، لا شيء، لا شيء، متى ستنتهي هذه الطريق، متى ؟، متى ؟
 
 
 
 
(2)
 
 
 
 
بوجهه القاسي ولسانه السليط بدأ والد فارس في الهجوم اليومي المتكرر على ولده فما أن جلس فارس على الفراش المهتريء للديوان في داخل منزلهم، نظراته تجوب أركان الديوان، من التلفزيون العادي القابع في أسفل الديوان، وبداخله المذيع يتلو أخبار الساعة التاسعة، والدته القابعة بجانب والده تمج دخان نارجيلتها، بشراهة، وتنفخ بشبق، وشقيقتيه تقلبان إحدى المجلات التي يملكها، لم يشاء أن ينتزع المجلة من بين أيدي الصغيرتين خوفا من غضب والده، ولذلك فقد نظر إليهن نظرة محذرة جعلتهن يتصفحن المجلة بحذر وكأنهن يتعاملن من زجاج سهل الكسر، وبدا الموشح اليومي لوالده وبدت لسانه الثعبانية بالظهور وهو يقول:
 
ـ أين كنت لهذه الساعة، صعلوك، هل تعتقد أن موتورك سيارة صالون، أين كنت ؟
بحذر أجاب فارس وبصوت أراده أن يكون مجاملا ومودباً:-
ـ كنت في المعهد !!
ـ حتى الآن، أين هذا المعهد الذي يقدم دروسه إلى الساعة التاسعة، منذ أن اشتريت الموتور وأنت لا تستقر في مكان، متى تنتهي محاضراتك ؟
ـ الساعة السابعة ؟
ـ وأين كنت طوال الساعتين الماضيتين ؟
بدا التوتر على صوت فارس وهو يجيب:-
ـ كنت في طريق الرجوع ؟
صرخ والد فارس في وجه ابنه بلهجة حقودة، وبلسان ثعباني :-
ـ ساعتين ؟، لماذا هل تركب سلحفاة، أنت تركب موتور والمسافة من هنا إلى المعهد على الموتور لا تأخذ ربع ساعة، هذا إذا ذهبت إلى المعهد حقاً، ولم تتصعلك في شوارع صنعاء طوال النهار وحتى الآن !
بصوت أعلى أجاب فارس:-
ـ اقسم بالله أنى كنت في المعهد !!
قطعت والده فارس الطريق على الحرب البادئة في النشوب بصوتها المخلوط بالدخان:-
ـ يا فاتن، أحضري العشاء لأخيك، وأنت يا صالح لقد قال أنه كان في المعهد، أين سيذهب ولا يوجد في جيبه ريال، أنه لا يملك ثمن سيجاره.
 
إكتفي الأب بما قاله بعد أن قطعت عليه زوجته هجومه الأول ولكنه كان يتحين الفرصة لهجوم أخر، كان في وجهه حديث ولكنه لم يجد سببا لقوله، ولكن السبب أتى إليه سريعاً فلم يكد العشاء يقترب من فارس حتى بداء والده الهجوم مره أخرى قائلاً:-
ـ تريد أن تأكل وتشرب وأنت لا تفعل شيء في أي دين مذكور هذا الخبر !!
ـ وما الذي تريدني أن أفعل؟
بنظرة حاقدة إرتفع صوت والد فارس:-
ـ لا أريد أن تفعل لي، إفعل لنفسك، أنظر إلى نفسك، شاب في العشرين ولا تجد ثمن كأس شاي، لولاي، لولاي، لما وجدت ثمن بنزين لموتورك، أو لما وجدت ما تأكل وتشرب.
رمى فارس قطعة الخبز من يده، كان الضجر قد إستبد به، من الموشح اليومي المعتاد فصرخ في وجه والده:-
ـ لولاي، لولاي، ما تفتأ تردد هذه الكلمة، فلتذهب أنت ونقودك إلى، إلى…. لا أريد منكم شئ!
ـ إلى أين، إلى أين تريدني أن اذهب أنا ونقودي ؟ أتنكر أنني أنا من أطعمك، وأسقيك، وأكسيك، كل شئ من نقودي.
 
تناول فارس قطعة الخبز وغمسها في إناء الفول الأسود اللون وهو يردد:-
-كل الآباء يفعلون ذلك، لست وحدك ؟؟ثم ، ثم ، لماذا لا يحلو لك الصياح إلا وأنا فوق الطعام ، هل تريدني أن اترك العشاء ؟
بدا الغضب شنيعاً على وجه والد فارس فبداء وجهه الشنيع أكثر شناعةً فصرخ في وجه ولده قائلاً:-
ـ نعم أريدك أن تترك العشاء أم تريدني أن أطعمك وأنت شاب صعلوك ؟أنهض من فوق العشاء.
 صرخت والده فارس بصوت عالي جعل الدخان يخرج من فمها دفعة واحدة وكأن قنبلة دخانية إنفجرت في فمها:-
ـ سكوت، السهرة بداءت، اذهب إلى غرفتك يا فارس ( غمزت له مطمئنه )
كانت الغرفة كئيبة كعادتها، جعلت منه يكره الدخول إليها ولكن أين يذهب وهو لم يكد يصل، تمدد على فراشه وغرق في التفكير العميق:-
 
ـ هذا الزمن الغريب، هذا الوطن الغريب، هذا الوالد الغريب، زمن ينكر أحبائه، وطن ينكر شبابه، وأب ينكر أبنائه، زمن يسرق منا أعمارنا، كنت طفلاً، فمراهقاً، فشاباً، سأصبح عجوزاً، لاشئ، لا جديد تحت الشمس، سينتهي العمر وأنا كل يوم، كل يوم، أتلقى سياط لسان والدي الطويل، الطويل، والمشقوق من منتصفه كأنه لسان ثعبان سام، وطن كل شوارعه مظلمه، رغم الأضواء، والناس، البشر، الأشخاص، أعينهم بلا بريق، شفاههم مشققه، وخدودهم منتفخة بأعشاب القات، ينظرون إليك، لا يردون حتى السلام.
 
أهكذا الوطن يصنع بأبنائه، يئساً له من زمن، ويئساً له من وطن، ويئساً له من والد، صاحب لسان، طويل، طويل، متى ينتهي هذا الأب، متى ينتهي هذا العذاب، متى يموت، متى أراه مسجى على الأرض، وعيناه المخادعتان وقد أصبحتا جاحظتان، ولسانه الطويل، قد أصبح متدليا خارج فمه، أنا لا اعرف أباً يشبهه، يعطي الريال ومن ثم يجلد جسدي بما أعطاه، بعنف، بقسوة، بلا شفقه، بساديه، بجنون، بتلذذ، يستمتع أيما إستمتاع، شبق هو، يعشق إهانة الآخرين، لا أعرف لولا وجود والدتي ما الذي كان سيفعله بي.
 
 هذا الأب اللعين، وهذا المنزل اللعين، لا أحد لدي أشكو إليه همي، لو كان منزل علي بجانبنا، لكنت خرجت إليه وجرجرته إ

المزيد


رواية قبض الريح - باب مفترق

يناير 21st, 2008 كتبها مدونة ضمانات لحقوق الانسان نشر في , روايات - الادب فى خدمة الحقوق

(1)

 
ثلاثتنا لم نستطع الدخول إلى المحاضرة، رغم أنى كنت أحث الخطى,أحث الخطى، إلا أنى كنت متأخرا أساساً، كان مجهودي وخطواتي السريعة، تذهب أدراج الرياح، وكذا الأمر لمحمد فما زال كما هو محباً للنساء، عاشقاً لهن، وذهب وقته سداً أيضاً في مغازلة إحدى الفتيات في الشارع بدلاً من المجى الى المعهد، وبعد أن غازلها لبعض الوقت، كشرت له عن أنيابها، تركها وجاء ولكن الأوان كان قد فات.
 
 أما فارس فقد ظل يدور بجواده الحديدي في طرقات العاصمة، ربما كان يبحث عن شىء ضاع منه، أحلامه أو شبابه، أو عزة نفسه ولكنه لم يفز بشيء لا الكرامة المفقودة، ولا المحاضرة التي فقدت أيضاً، ولم يأتي إلا وقد أغلق باب القاعة في وجوهنا نحن الثلاثة.
 
وكما هي العادة دائماً جلسنا حول طاوله من طاولات مطعم المعهد، لا توجد فتيات ننظر إليهن، أو عشاقاً يتناجون ونسخر منهم، كانت جلسة صامته، نمج فيها دخان سجائرنا، نرشف فيها كؤؤس الشاي.بصمت، بتكلف، بحزن، بحنق، بلوعة، بشبق، بتروي، بتكاسل، بكل ما نحمله من هموم، وشجون، وأوهام، وأحلام، وكوابيس، وبدا محمد بالكلام بإقتراح مفاجى..
ـ لنذهب الى مقهى الإنترنت …
 
كان إقتراحا مرعبا فرغم أن مقاهي الإنترنت كثيرة العدد في المنطقة المحيطة بالمعهد وبعض المقاهي خفضت قيمه الدقيقة الى ريال واحد فقط إلا أن كل ما كنت أملكه هو عشرون ريالا ذهب نصفها في قيمه السيجارة وكأس الشاي وبقى نصفها لسيجاره أخرى وكأس شاي آخر بعد ساعة أو ساعتين، فمن أين لي وصارحته قائلا :-
 
ـ لا يوجد معي أي نقود ؟
وكأنه كان يعرف ذلك مسبقاً فقد أجابني :-
ـ أنا أملك مائة ريال وهى تكفي لساعة ونصف من الزمن، هيا يا أصحاب، لقد أثارتني فتاه لعينه،   يصطدم بها الشباب دون ممانعة منها، وعندما غازلتها أصيبت بغنجٍ مفاجىء وبدءات تتراقص في مشيتها وما أن أخبرتها أنى أملك دكان حتى هاجت، وماجت، ربما كانت تعتقد أنى أسكن في القصر الجمهوري، تلك السخيفة، وتراجعت عن الحديث معي وممازحتي..أكاد أن أنفجر ولن أتخلص مما يضايقني إلا بمشاهده بعض المناظر على الإنترنت.
 
أحاط فارس كفي بكفه وهو يغمز لي بحنان:-
ـ لنذهب طالما أننا لن نخسر شيئا.
ـ أتملك نقودا ؟
ـ أعطاني والدي قيمة بنزين للموتور ولا أظن أننا سنحتاج لذلك فالدقيقة بريال واحد فقط وهذا يعنى أننا سنظل نشاهد ساعة سنشاهد خلالها عشرات الصور، فلنذهب، لن نخسر شيئا، ثم دعنا ولو لمرة واحده نجعل هذا الكريه يخسر نقوداً في سبيل إمتاعنا ولا تنسى أننا سنعوض المحاضرة المملة.. بمحاضره الإنترنت .. هيا .
 
وجذبني من كفي و أحاط بي الإثنان، وبدأنا رحله المجون، كانت لحضات رائعة شاهدت خلالها العشرات من النساء العاريات، صوره لإمراءه عارية وجذابة، وصوره أخرى لرجل أسود يعتصر أمراءه شقراء بقسوة، وصوراً أخرى لا أتذكرها، كل ما أتذكره هو صوره لإمراءه سوداء الشعر وعيناها تشبهان كثيرا عيني عالية، هل عالية وهى عارية تبدو كهذه المراءه، لا اعتقد فعالية أجمل منها بكثير، وأن كانت عيناهما متشابهتان.كم أحببت تلك الصورة، انطبعت في خيالي، ووجداني، كانت ساعة زمن، مترعة باللذة، والجنون، والنشوة، وعدنا الى المعهد، كأن آذان المغرب قد نودي به ونحن مشغولون بما نشاهد، فلم نسمع له صوتاً، وانتهت الاستراحة ونحن ما زلنا منهمكون في المشاهدة، ورجعنا لنشاهد أن باب القاعة قد أغلق أيضا وضحك فارس وهو يشتم الدكتور :-
 
ـ كم هو قذر، يدعى الإنضباط هاه، لايقل عهراُ عن نساء الإنترنت.؟؟ فليذهب إلى جهنم هو ومحاضرته المملة.
وصرخت محتجا :-
ـ ها قد ذهب اليوم بدون أي فائدة تذكر، كل هذا التعب والمشي لساعة متواصلة عند الذهاب والإياب، يذهب سدىً، هكذا دون أي فائدة تذكر، حقيقة أنه لا يقل عهراً عن نساء الإنترنت، هذا المدعى الانضباط أتفوه،
وتجاوب الاثنان معي بحماسه وهم يبصقون على الأرض بصقات عديدة لا أدرى ما كنا نبصق، أكنا نبصق الحنق، الغضب ؟، أم كنا نبصق إحساسنا بتفاهتنا، أكنا نبصق كرامتنا على الأرض، وظهر جواد فارس الحديدي في البعيد فصفر فارس ملتفتا إلينا:-
ـ عندما أصفر له يأتي إلى كحصان ببيرو في مسلسل الأطفال النسر الذهبي ما كأن اسمه ؟؟
ـ جوبيتر !!
ـ نعم هذا هو إسم جوادي، جوبيتر ؟؟
ـ كم أنت مدعى !!
ـ كم أنت مغرور
ـ كم أنا معتزا بنفسي، هيا لنذهب إلى رأس عصر، أريد مكاناً عالياً يجاور النجوم ويعطيني إحساساً بالحرية ولا يوجد أجمل من رأس عصر لنشاهد من خلاله صنعاء من المبتداء إلى المنتهى، لنذهب إلى الصرح التذكاري للجنود المصريين، أريد أن أشاهد العاصمة، أريد أن أتنفس هواءً نقياً.
 
كانت فكرته جميله..وكان الوقت مبكرا ونفذنا الفكرة , ربع ساعة فقط كنا نجلس على بلاط الصرح المصري، نشاهد العاصمة، كان فارس قد اشترى نصف علبه من السجائر من نقود البنزين التي أعطاها له والده وظللنا هناك لساعة من الزمن نمج السجائر بشراهة، نشاهد العاصمة تحت أرجلنا، واستنشق فارس كميه من الهواء وصرخ بفرح :-
ـ فلتعش الحرية ؟
ورددنا صراخه بنشوة :-
ـ تعيش، تعيش، تعيش.
وصرخ بفرح أكبر
ـ وليأكل والدي فظلات المجارى، وليسكر ببول إمراه حائض ؟
وبعد ضحكة نشوه رددنا :-
ـ فليأكل وليسكر، فليأكل وليسكر
وهمس محمد لفارس قائلا :-
ـ لكن البول الذي في المجارى مغشوش، مخلوط بالمياه، تعال لتأخذ لوالدك قارورة من عندي فهو بول معتق، ومركز.
وأعجب فارس بإقتراح محمد وصرخ قائلا:-
ـ فليشرب والدي بول صديقي محمد المعتق :-
ورددنا من وراءه قائلين :-
ـ فليشرب، فليشرب ؟؟؟
وبصقت أنا بصقةً ضخمةً في وجه العاصمة صنعاء..صارخا :-
ـ عليك اللعنه يا صنعاء، لينزل عليك غضب الرب، فلا يبقى ولا يذر إلا عالية فقط.
وردد الاثنان دعائي قائلين :-
ـ أمين، لينزل عليك غضب الرب، ولا يبقى في العاصمة إلاحبيبة صديقنا على.
وعقد محمد حاجبيه قائلا :-
ـ ولكن، عندما ينزل الغضب بصنعاء، فلن تبقى أية أنثى، يا لك من أناني يا على، ستظل عالية لك أنت وحدك ونحن سنظل ندور في الشوارع.
إحتضن فارس محمد وهو يقول:-
ـ دعة هو وحبيبته أما نحن الاثنان سنكتفي ببعضنا !!
كنت قد إنتهيت من سيجارتي فأعطانى فارس سيجاره أخرى وأشعلها لي فقلت لهم :-
ـ ما أملكه هو لثلاثتنا، عالية لنا نحن الثلاثة !!
صرخ فارس فرحا :-
ـ يعيش على الاشتراكي.
وصرخ محمد بفرح اكبر :-
ـ بل يعيش على ، الاباحى، الغير مهتم بكل المحرمات، والممنوعات، والعادات، و العيب، والحرام.
أخذتنى النشوة من كلام محمد فصرخت بهم :-
ـ نحن لا نخاف؟، أليس كذلك، نحن لا نخاف!!!
ردد الاثنان صراخي بنشوة ورددت معهما :-
ـ نحن لا نخاف ، لا نخاف ، لا نخ
أوقفنا فارس باشإره من يده :-
ـ بماذا ينذرنا الله بالنار ، نقول له، لا نخاف، إذا كنا سندخل النار معا فستكون النار جنه، فلنفعل ما بدا لنا، ما نريده، فنحن لا نخاف النار طالما كنا سويه.
كان الشيطان قد إستبد بي فوقفت فيهم أخطب بصوت مرتفع :-
ـ أليست النار دافئة، ألسنا نبحث عن الدفء، إذا النار هو ماواءنا المفضل، وكرنا الدافي.
أحاط فارس نفسه بذراعيه وقد غزاه الحزن فجاءه قائلا :-
ـ نعم أنا أبحث عن الدفء، طوال عمري، نعم أنا افتقد الدفء عندما أستلقي وحيداً على فراشي لا أحلم إلا بالدفء أهذا مطلب مستحيل، لماذا حرم علينا الدفء!
ـ والحب !!!
ـ والكرامة وعزه النفس والحلم الجميل …!!
كان الشيطان قد إستبد بي أكثر منهما فصرخت يهما:-
ـ ثم أن النار تصقلنا، أحلم باليوم الذي سأدخل فيه جهنم، ساعتها سأتعرى، وأغتسل بدوش ساخن من الحمم التي كالقصر تسقط من الأعلى، فتصهرني، وتعيد تشكيلي من جديد، إنساناً خالياً من الأحقاد والشر، والكراهية والمقت، وكل الألفاظ الشريرة، والنابية، والكاذبة، تصقلني لأرجع كقطعه زجاجية خرجت تواً من المصهر، نـقيةً، لامعةً، خاليةً من الشوائب، والعوالق، كم أحلم بدوش ساخن من الشرر والحمم البركانية.
 
وجد فارس أن الشيطان بداء يتوغل كثيراً فينا، فإنتهز إنتهاء لفافة التبغ التي بين أصابعه، وألقى بها على الأرض طالباً منا الرجوع، كان يوما مميزا، ولكنه إنتهي نفس النهاية فما يزال فارس يعانى لسان والده الحاد ومحمد يشكو الوحدة وأنا أشكو الفقر وهجران عالية لي حتى في أحلام البقظه المصحوبة مع العادة السرية، كانت الساعة قد أصبحت السابعة، فنحن لم نحضر الجزء الثاني من المحاضرة وقضيناه في رأس عصر، ولذلك فقد رجعنا إلى المنازل في نفس توقيتنا اليومي،   ولم يدخل محمد الى دكانه رغم ذهابنا، كان يشكو الوحدة ويخاف الصور المعلقة على الجدران، ولم أدرى ما الذي حصل له بعد أن تركناه.
 
 
 
 
 
 
 
(2)
 
أصبح فارس نزقاً، ربما لأنه سيتركنا ويذهب إلى العذاب اليومي المتكرر، فبعد أن ترك محمد أحس أنه سيتركني أنا أيضاً، فمنزلي أصبح قريباُ ولكنه سلك طريقاً أخر وقبل أن أعترض همس لي قائلا:-
ـ سنذهب في نزهه، لا أريد أن أرجع إلى المنزل؟
همست له أنا أيضا :-
ـ إذا لماذا تركنا محمد بجانب دكانه، كنا سنأخذه معنا، كن سيسعده ذلك ؟؟
ـ أحسسته متعباً، وحانقاً فلم أشاء أن أثقل عليه.
ـ إلى أين سنذهب ؟
ـ إلى لا مكان، سندور وندور إلى ما لا نهاية في هذه الدائرة الجهنمية المفرغة.
أحطت خصره بذراعي حتى إلتفتا عليه و أسندت ذقني على كتفه هامسا ً:-
ـ ما بك؟ أحس صدرك يحترق.
ـ أكاد أجن، يا على، أكاد أجن، لا أريد أن أرجع إلى المنزل، أعرف ما ينتظرني ولكن أين أذهب ؟
ـ تذرع بالصبر !!
ـ قد أنتهي ولم يعد لدى إلا بقاياه !!
شددت عليه وهمست في أذنه :-
ـ سننتهي من المعهد، سنعمل، سنتحرر، ستجد الأموال طريقا إلى جيوبنا، سوف ننال الاستقلال !!!
ـ ما يزال أمامنا سنه ونصف، سأجن قبل أن تنتهي نصف هذه المدة !!!
ـ أنت تبالغ كثيراً يا صديقي
طفرت دمعتان كبيرتان من عينيه ذرتهما الرياح بإتجاهي، أحسست طعمهما المر بين شفاهي، لم أكن اعرف أنه يخفي، كل هذا الحزن؟؟؟ ..كل هذا الشعور بالإضطهاد، والإستعباد، والتنكيل، كنت أعتقد عندما يكلمني عن ما يفعله والده , أنه يبالغ كثيرا ولأول مره أحس أن كل ما كان يشكو منه هو بعض ما يلقاه ..والجواد الحديدي ما يزال ينهب بنا الطرقات بلا توقف.
ـ لا أريد الذهاب إلى السجن، إلى العذاب والمهانه، سأظل طوال عمري أنهب الطرقات على جوادي الحديدي حتى نموت أنا وهو على قارعة الطريق ؟
بضحكه حنونة أجبته :-
ـ ستتفكك صواميله، وستهترىء عجلاته قبل أن تصل إلى الثلاثين !!
ـ أحس أنى لن أعيش إلى ذلك الوقت، سيأتي اليوم الذي أدخل فيه تحت عجلات سيارة ونموت نحن الاثنان أنا وجوادي !!
ـ ولماذا لا تفعل ذلك الآن لنموت ثلاثتنا !!
بضحكه نزقه أجاب :-
ـ لا أريد أن يستفيد والدي من مبلغ الدية
 ـ جواب مقنع للغاية، إلى متى سنظل ندور ؟
ـ هل تعبت، يا من أحبه كثيراً ؟
ـ مؤخرتي أصبحت كالصخرة، من الجلوس المستمر على الكرسي في المطعم وعلى كرسي مقهى الإنترنت،   وعلى بلاط صرح الشهداء المصريين، وعلى جوادك الحديدي ؟
دار بموتورة في إتجاه الشارع المجاور لبيتنا قائلاً :-
ـ قريباً نصل !!
ـ المستقبل ،فارس سيكون جميلاً !!
ـ لا أظن ذلك، فكل شي ملطخ بالسواد ؟؟الحرقة في اللسان والحلق, هي الداء المتأصل، سنظل كما نحن، كما نحن !!
 
ووصلنا إلى منزلي، وترجلت وأنا مازلت أنظر أليه، أدقق في ملامحه، كان الحزن ما يزال يملاء وجهه ، عينيه البنيتان الصافيتان كمدتا، وأصبح لوتهما كتيباً، أزعجني منظره كثيراً، وإتجهت إلى باب المنزل، قلبي مقبوضا بشده وأنا أراه يبتعد، ويبتعد، ويبتعد.
 
، الحياة تسقمنا، والحزن يملاء ليالينا، ثلاثتنا نتقلب، كل على فراشه، يحلم بلا انتهاء، يبكى بلا وجود لأحد يمسح دموعه، المستقبل الغامض، الكرامة المفقودة، ديدننا، أحسست أن ثلاثتنا نمشى الى الجنون بخطى واثقه، كل الثقة، أه يا وطن، أه يا نحن، أه يا كل من أحب، ومن أكره، ومن نحب، ومن نكره، ندور كالجمل حول معصرة السمسم … وأعيننا مربوطة، دون أن ندري متى ننتهي من الدوران ومتى نصل إلى الحقيقة الساطعة، شباباً نحن، نعم، لكن قلوبنا تشيخ سريعاً، أصبحنا شيوخاً نزقين، متهمون حتى قبل أن تثبت إدانتنا، أيادينا تمتد إلى من يغتالها، وأيادينا تمتد إلى من يقطعها بسكين صدىء، إلى أين ، إلى متى ؟، كيف ؟، لاأدري.
أرجع إليك، يا جميلة الجميلات، يا من تخرجيني من أكثر الأجواء كآبه وحزن، يا عالية، في الحقيقة إختلطت على الصور في هذه الليلة ياعاليتى، فتارة تأتين أنت، وتارة تأتي إحدى النسوة اللواتي شاهدتهن نهار اليوم على الإنترنت، وأتقلب على فراشي، وتتقلبين معي، نعتصر بعضنا، ونرتشف رحيق شبابنا، وعندما أنتهي من عادتي السرية، أراك تبتعدين، وتبتعدين، ومع كل خطوه تضحكين نفس الضحكة الساخرة، العذبة والمعذبة، حتى تصلين إلى النجوم، وتتحولين الى نجمه براقة، مضيئة، لامعة، مبتسمة، ضاحكه، ساخرة، مستهزئة، الى متى يا عالية ستظلين تسخرين منى ؟، .إلى متى، إلى متى ؟،..
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
(3)
 
تركوني وحيداً كما كل يوم، تركوني وحيداً، لماذا اليوم بالذات سيدخلون إلى دكاني، هل يفكرون بالإنتحار حتى يدخلونه، لا أظن ذلك، لن أدخل إليك أيها الدكان البغيض، يا من تحمل في داخلك كل تلك الروائح الكريهة، هذه الشوارع المظلمة، المليئة ببراميل القمامة، والأطفال الشعث، الغير، اللاعبون الأستغمايه، أكثر نقاء منك وأكثر نظافة، وحيداً عشت، وحيداً سأموت، وحيداً سأبعث وحيداً سيكون لي وادي في جهنم، أعيش فيه وحيداً، يعرف الله تماماً أني لا يعذبني الجحيم، ولا النار، ولكن تعذبني الوحدة، واظنه إختار لي هذا العذاب في الدنيا والأخره، هاأنا على الأتوبيس رقم إحدى عشر، رجلا بالطبع، أجوب الشوارع وحيدا، أثرثر مع نفسي، أمج لفافتي، وتجتاحني خواطر سكسيه، ومن ثم أعود إلى الوحدة وإلى دكان تملؤه الصور وقوارير مترعة بالبول.
 
كان يفكر هكذا عندما توقفت أمامه سيارة، من ذوات الدفع الرباعي، لتهبط منها، حوريه، عروس بحر، كانت حانقه فقد أغلقت بوابه السيارة بعنف، والدموع تملاء عينيها وأن كانت لم تخرج من دموعها قطره واحده، واللعنات المجنونة تخرج هامسةً من فمها كسيل عرم … كانت تمشى بهدوء في ذلك الشارع الطويل، المظلم واقترب منها سائلا :-
ـ لماذا لم تمضى السهرة مع صاحب السيارة ؟
إلتفتت إليه غاضبه ولم تلبث ملامحها أن لانت، ظهر ذلك في عينيها اللتين إجتاحهما الصفاء قائله:-
ـ لم يكن يملك نقودا فتلمس بعض أجزائي ثمنا للتوصيلة !!
دس كفيه في جيبي بنطاله وقد فاجئنه صراحتها ولكنه قال:-
ـ كلنا لا نملك نقودا ، كلنا مترعين بالحب !
سدت الطريق أمامه:-
ـ الحب عندي يعنى النقود!
كانت الساعة قد وصلت إلى السابعة والنصف ولكن من الواضح أنها لم تهتم لذلك :-
سألها وهو يسترق النظر إليها ويعاود النظر الى الطريق
ـ ومن لا يجد نقودا
 ـ لا يجدني !!!
تنهد تنهيدة حارة وهو ينظر إلى البعيد :-
ـ المدينة أصبحت أكثر بروده، والناس أصبحوا متجلدين، أحلم بالدفء، بالجنون ، بالحب !!
كان من الواضح أنه يريد شخصاً يتحدث معه حتى ولو كانت أمراءه لا يعرفها إلا منذ لحظات وتجاوبت مع أحزانه، كان من الواضح أنها أيضا تحمل الكثير من الأحزان:-
 ـ كذلك أنا، ولكن ما من أحد يملك الدفء، الحب في هذه المدينة، يتعاملون معي كبالوعة تمتص فظلاتهم مقابل النقود، لا أهتم بذلك، كل ما يهمني هي بعض الأوراق الملونة، هل لديك بيت !!!؟
ـ وهل تريدين أن يكون لدى بيت … ؟.
ـ لقد أثارني بلمساته، الثرىء ، لأول مره آري شخص يركب سيارة موديل (ليلى علوي) ولا يملك في جيبه حتى ألف ريال ؟؟
ـ أملك دكانا ذو رائحة كريهة ولكنه دافيء فهو مغلق طوال الوقت، أعيش فيه وحيداً !!
ـ أهو قريب ؟
ـ في الجوار !!
نظرت إليه متفحصة من وراء نقابها :-
ـ أنت لا تملك نقوداً ؟
ـ أملك الحب !!
ـ لنذهب لنرى ما هو الحب وما مذاقه !!
 
بجسده الشاب، وحرارته المختزنه، ودفء الدكان المغلق طوال الوقت، وعلى مراءى عيون المطربات المعلقات على الجدار، كانت ساعة من اللذة، من الشبق، من الآهات المتلاحقة، من الحب، من الالتصاق الحميم، لأدم وحواء، كل روائح التاريخ تداخلت بين الجسدين الشابين …. كل ما حُرم، كل ما عوقب لأجله على مر التاريخ، كل ما يعتبره البشر غير لائق، طرد الى الخارج، إلى الشارع، قذف في سله المهملات.
 
 لم يبق من الحياة إلا ذكراً يتلمس بأصابعه، ويقبل بشفتيه، ويحتضن بذراعيه، أنثي تتلوى، مغمضه العينين، مبتسمة الشفتين، كل شئ تداعى، الحواجز، الستور، الممنوعات، المحرمات، الحياء، وتشهد على ذلك كل المطربات المعلقات على الجدران، ساعة من الزمن، نهبت منه، سرقت، ولكن الزمن نفسه كان راضيا بأن تسرق منه، بل يقال أنه هو من أعطتهما الساعة بيديه، بملء إرادته، فالزمن لا يبخل بساعات الحب ولكن من يملكون الزمن يبخلون.

المزيد


روايات - روايه قبض الريح -باب جسد

يناير 21st, 2008 كتبها مدونة ضمانات لحقوق الانسان نشر في , روايات - الادب فى خدمة الحقوق

(1)

 
إنتهي المستوى الأول من السنة، وكذلك إمتحاناته وأجازاته، وها نحن في المستوى الثانى، وما زلنا كما نحن، ما زلت أحب عالية، وما يزال جواد فارس المسمى جوبيتر، يذهب بنا كل يوم إلى مكان، عصر، حده ، الحصبة ، نقم .، المطار، الشيراتون ، وما يزال كل دكتور يطلب منا شراء ملزمه في كل محاضره ، وما زلنا أيضا مفلسون، نحلم بوجبة هامبرجر .
 
 إعترف لنا محمد بحكايته مع كريمة التي تطورت في الشهور الماضية فأصبح لها وله ميعاد أسبوعي ، تحضر له العديد من القوارير الفارغة ليبول بها ، كانت تلك هي هديتها الأسبوعية حسب تعبيره ، وحسب تعبيره أيضا فقد إرتاح كثيراً من هم حمل القوارير ورميها في القمامة والبحث عن قوارير جديدة ، لقد تكفلت كريمة بهذا العمل ، أصبحنا نعرف كل شيء عنها ، كما كنا من قبل نعرف كل شيء عنه ، كل كلمه تقولها وهى في أحضانه ، كل شامه أو حسنه موجودة في جسدها ، تحدثنا عنها ، كان لا يفتاء يتحدث عنها ، وأصبح فارس يدعونا بالمجنونين مع أختلاف أن حب محمد لكريمة ، حقيقي وإباحي ، وحبي لعالية ، عذري وخيالي ، موجودا في خيالي أنا فقط .
 
كنا قد خرجنا لتونا من المحاضرة المملة، وتخلصنا أخيراً من الدكتور الأكثر مللاً، عندما إقترح علينا محمد اقتراحاً على حين غره :-
ـ ما رأيكما أن نذهب إلى فندق ؟؟
داعبه فارس بلهجة ساخرة :-
ـ لماذا هل امتلاء الدكان بالقوارير فلم تجد أين تنام ؟
(بسخرية مماثلة أجاب محمد :-
ـ كريمة تأتى إلى بقوارير جديدة وتأخذ القوارير القديمة أنت تعرف ذلك !!!
بلوعة صرخت أنا :-
ـ يا سلام الحب وما يفعله الحب
وفي إشاره جنسيه واضحة بعينيه همس محمد لكي يعطى لكلامه ثقلا وأهميه:-
ـ أتريدان أن تشاهدان أفلام إباحية صوت وصورة بدلاً عن الصور الثابتة على الإنترنت وبجودة رقمية,, رقمية ؟؟
فهمت أنا أخيراً ما يرمى إليه ولكن النقود كانت كما هي دوماً غير متوفرة وكأنه كان يدرك لماذا لذت بالصمت والتفكير فواصل حديثه متجهاً إلى :-
ـ لا يهم يا عزيزي ؟إذا كنت تفكر بالنقود أقسم لك لن تدفع ريالا واحدا ..
سأله فارس بإهتمام:-
ـ هل أرسل لك والدك المبلغ الشهري؟؟
بضحكه رقيقه أجاب محمد :-
ـ لم يصل أي مبلغ، كريمة، كريمة أثبتت أنها إسم على مسمى..تماما كحليب الممتاز، بعد أن أهدتني بعض القوارير الفارغة أعطتني قبل أن تذهب ألفي ريال، أنا قلت نقود أتت من الحرام تذهب الى الحرام، ما رأيكم في هذه الفلسفة الجديدة والممتعة ؟
ـ يا سلام على الحب، ما أكرمه ، وما أجمله وما …
قاطعني فارس فرحاً أيضاً :-
ـ لا يهم من أين النقود فلنذهب و لنشاهد تطورات التكونولوجيا الرقمية !!
بالطبع لم تمر أكثر من ساعة إلا ونحن نختلق الأعذار كل لوالده، أنا قلت أنى سأذهب أذاكر عند فارس ولم يهتم أبى فتركته وخرجت..أما فارس فقد إستطاع بعد جهد إقناع والدته، قلم يستطع والده الإحتجاج رغم نظراته الشنيعة، وذهبنا الى الفندق.
 
كان هذا الفندق مشهوراً بقنواته الكثيرة فقد كان يملك جهاز إستقبال رقمي، لم يؤذن لصلاه المغرب إلا ونحن في الغرفة نتنقل بين القنوات ، فالقناة الإباحيه لم تكن تبث برامجها إلا من بعد منتصف الليل ، وبداء فارس يقلب القنوات بجهاز التحكم عن بعد ، وإستغل كل لقطه تعرض على أي قناة في إضحاكنا بتعليقاته ، كان ممتعاً عندما يكون فرحاً ، ويملاء الجو بالكآبة إذا كان حزيناً ، متطرف في مشاعره كثيراً ، كانت أول قناة فتحها لنا هي الفضائية الكويتية ،وبداخل القناة فتاه في السابعة عشره ، تشكو فراق والدها المسجون في السجون العراقية ، وبداءت بالبكاء ، كان منظراً محزناً بحق ، حتى أن فارس والذي إختار أقرب سرير إلى التلفزيون ، إلتفت إلينا بعينيه الدامعتين وقد تفاعل بشده مع الفتاه صارخاً:-
ـ فلتصب اللعنه على رئيس النظام العراقي !!
ـ كيف يطاوعه قلبه أن يجعل كل هذا الجمال يبكى!!
ـ بل قل كل هذا الدلال !!
ـ أه يا فارس لو كنت أنا الرئيس العراقي لأفرجت عن أبيها على الفور إكراما لدموعها اللؤلؤية
 ـ وخدودها البيضاء..
قاطعت حديثهم بضحكه عالية وأنا أحتج :
ـ ما هذا القناة الإباحيه لم تبدأ بعد !!
ـ نعرف ذلك ولكننا نتجهز بالمقبلات
ـ والمشهيات !!
ـ أنتما الاثنان حقاً …أولاد زنا !!
وإنتزعت الجهاز من يد فارس وبدأت أنا بتقليب القنوات، وتوقفت عند قناة فلسطين، كانت طائرات الأباتشى تقصف مكاناً ما وأنتزع فارس الجهاز من يدي مره أخرى ، كم هو متملك ، وهو يصيح :-
ـ لقد جئنا هنا لنستمتع ، ولم نأتي هنا لنشاهد الفشل العربي.أغلق هذه القناة، نريد ترفيهاً !!
لم أحتج، ولم يرجع لي جهاز التحكم عن بعد بل ظل يتنقل بين عشرات القنوات، أسمعنا عشرات الأغاني، وبعض القبل هنا وهناك، وتوقف عند بعض القنوات العلمية فهجمنا عليه الاثنان معا وانتزعنا جهاز التحكم عن بعد منه بالقوة:-
ـ ألم تجد بين مئات القنوات إلا قناة تعرض فيزياء ، المادة الوحيدة التي كنت أمقتها في الثانوية ألا يكفينا المعهد وأساتذته المملون .
ـ كم أنت ممل يا فارس يحرم عليك مسك جهاز التحكم.
وبحركة مسرحيه أخفي فارس وجهه بيديه قبل أن ينظر إلينا بخوف مفتعل:-
ـ ماذا تفعلون ، خذوا حياتي وأرجعوا لي جهاز التحكم ، أريد أن أشاهد الكويتية الجميلة مره أخري .
ـ لقد إنتهت من شكواها منذ زمن بعيد ، الان ربما يوجد شاب جميل يشكو ..أتريد أن تراه !
 أجاب فارس :-
ـ أن كان جميلاً فعلاً، فلا بأس؟؟
ـ يجب أن نستفيد للحد الأقصى من الألف الريال الذي دفعته، سأذهب إلى الحمام لأغتسل بكل الماء الموجود لديهم، لقد ظللت أسابيعاً لا أستحم، واليوم ربما لأول مره سأستحم بمياه دافئة، وبعد أن أنتهي لكل واحد منكم دوره، يجب أن يكون مبلغ الألف الريال قيمه المياه فقط التي سنستعملها، أما الغرفة، والقناة الإباحيه سنجعلها مجاناً ؟
ـ يعيش محمد وأفكاره الجهنمية ؟
ـ أتعرفان لأول مره سأتبول في مرحاض كرسي، لأول مره في حياتي أن هذا يجعلني أدعوكما للاحتفال بهذه المناسبة ؟
ـ عليك اللعنه، اذهب الآن وتبول لأنك سترجع غدا الى القوارير.
ـ وكريمة ؟
لم أكن متعوداً على كل هذه القنوات ففي بيتنا لا يوجد إلا عشرون قناة فقط ، كانت موجودة في تلفاز الفندق أيضا ولكن كان يوجد الكثير غيرها ، كانت تجربه مثيره بالفعل ، وما أن انتهينا من الإستحمام المكثف ، الذي إستخدمنا فيه عشرات الليرات من المياه حتى خرج محمد ليشترى العشاء .
 
كان العشاء عبارة عن عده أرغفة خبز وعشر قطع جبن مثلثه، الجبنة تهرس بين رغيفين وتؤكل، حتى إنتهينا، كان التنقل بين القنوات مملاً حتى منتصف الليل، جو الغرفة أصبح خانقاً من التدخين، لا بد أنها كانت ليله من الجنون، كانت القناة التونسية هي الموجودة في الرقم الذي أخبرنا بعه عامل الإستقبال، ومع ذلك ما أن دقت الساعة الثانية عشره منتصف الليل حتى إختفت القناة التونسية، وبداءت القناة الإباحية، كان التفكير العميق والاستياء أيضا يمنعاني من المتعة فصرخت يهما :-
ـ كيف سأمارس العادة وأنتما تشاهداني ؟
ـ وأنا كذلك كيف سأفعل ذلك ؟
كان محمد صاحب الأفكار الجهنمية دوما فقد قال:-
ـ كل واحد يلف فراشه حوله كالخيمة وبعد أن يفعل هذا يستطيع أن يفعل ما يشاء !!
 
 في الحقيقة أعجبتنا الفكرة وأن كان منظرنا مضحكاً ونحن ملتفون بالفراش ولا يظهر من أجسادنا العارية تحته إلا الوجه فقط، المتجه بالطبع إلى الشاشة، كنا ثلاث خيام مزروعة على ثلاثة أسره، والمشاهد تتوالى، مشهداً تلو الأخر، كانت قناة قويه للغاية، لم أكن أعتقد أن مثل هذه الأشياء تمارس فعلاً وأن كنت أسمع عنها، لكنى ألان رايتها بأم عيني.كانت التنهدات داخل الشاشة قويه، والتنهدات خارج الشاشة أقوى، قبل أن يداعبنا فارس
ـ لا اعرف يا أخوان إن كانت خيمتي ستصمد، فأنا شاب قوى، تندفع مياهي مسافة المتران، سوف يتسخ كل شي.
أشرت عليه بالصمت مداعبا :-
ـ لا تقل ذلك، لو عرف البعض بهذا لتعرضت للتفتيش !!
ـ التفتيش ؟؟!
ـ نعم، آلم تقل أن ماءك عندما تصل إلى قمة الشبق يندفع إلى أكثر من متران، قانون الأمم المتحدة يقول لا أكثر من متر واحد فقط، ربما لو عرفوا لجاء بليكس والبر ادعى إليك ليفككونه ويدمرونه.
ـ هه هه عليك اللعنه !!
ودوت شهقة عنيفة من محمد وهو يشاهد ما يعرض و إرتمى بعدها على الفراش وفي لحظات غرق في نوم عميق !!ونظر إليه فارس قائلا :-
ـ لقد إستهلكته كريمة فلم يصمد لساعة من المشاهد !!! حتى غرق في نوم عميق !!
ـ أما أنا سوف أسهر إلى الصباح يجب أن ألتهم ما يعرض، مشهداً مشهد، كادراً كادر، لقطهً لقطه
كانت القناة قويه للغاية، كنا قد سمعنا أن العديد من الفنادق ليس في العاصمة فقط ولكن في العديد من المدن تعرض مثل هذه القنوات، بل الكثير منها …، المهم الربح، ولا يهم نحن !! هكذا فكرت بعد أن فقت إلى رشدي في اليوم التالي..والغريب أنى لا أفق إلى رشدي إلا في اليوم التالي من الذهاب إلى الفندق، أما بعد أيام أرجع أكثر شوقاً للذهاب وهمست لفارس لكي لا أوقظ محمد
ـ لنأتي دوما ونشاهد هذه القناة … ؟
ـ ومن أين النقود يا على …؟
ـ على حساب كريمة ومحمد المهم أن نشاهد !!
ـ يا لك من إستغلالي !!
ـ سوف أعوضه عندما أعمل سأدعوه مراراً وتكراراً !
ـ وأنا ؟
ـ أنت أولنا …أنت الحب !!
 
كانت ليلة حمراء بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فحتى الشاشة كأن يغلب عليها اللون الأحمر، رمز الشاشة احمر، أجساد النساء والرجال مائلة إلى الحمرة، حتى الأثاث أغلبه أحمر اللون، وبالتالي كان لون وجوهنا أيضا يصطبغ بإشعاعات الشاشة، وغرق فارس في النوم بعد ثلاث ساعات فقط، أما أنا فقد ظللت سهراناً حتى الصباح، حتى أغلقت القناة ورجعت القناة التونسية، ظللت أجاهد النوم وأجاهده حتى أخر مشهد، كل مشهد، كل كادر، كنت ألتهمه، بشوق جديد، بشغف جديد، بجنون جديد، كنت أجاهد في بعض الأحيان في تغطيتهما عندما كانا يركلان الغطاء فإذا بهم عراه، لم أكن أهتم برؤيتهم، فقد كان في الشاشة ما يكفيني من أجساد عارية، كل نصف ساعة على الأكثر كانوا يحتاجون إلى تغطيتهم، كم كان هذا مملا.
 
 كانت ليله ممتعه بحق، ربما لأنها أول ليله، ففي المرات اللاحقة لم أحس بالمتعة التي كنت أحس بها أول مره، رغم أننا ذهبنا مرات عديدة، مره كل نصف شهر على الأكثر، كانت كريمة هي الممولة لجنوننا هذا، رغم أنني أنا وفارس لم نشاهدها بعد ولا نعرف عنها أي شي إلا ما أخبرنا محمد.
 
الان لم أعد أحتاج إليك يا عالية، لأول مره لا تزوريني، فأنت كل ليله تأتين لزيارتي لكنك الان، غير موجودة بجانبي، أنا الان محاط بعشرات النساء، أنثى تأتى، وأنثى تذهب، لم أعد أحتاجك، أعترف أن ما أشاهده مجرد خيال، لكنك أيضا خيال إبتدعته أنا، في عقلي، في عقلي فقط، كل ليله، كل ليله، كنت أقفز فرحاً عندما أشاهدك، وأنت تهبطين وتهبطين، وفي كل خطوه كنت تنتزعين قطعه من ثيابك، ولا أروعها راقصة استربيتز، حتى تستلقين بقربي، عارية من كل شيء، من الكساء، الحياء، كنت أحتاجك كثيرا، لأنك الوحيدة، أما الان فاللقطه التي أشاهدها تكفيني أمارس العادة السرية بها ليله، المشهد بأكمله يكفيني لأسبوع، أما الفيلم فيكفيني لشهر، أرابت يا عالية، يا عاليتي، لم اعد أحتاج إليك، أذناي ما زالتا تسترجعان كل آه سمعتها على الشاشة، فلماذا أحتاج لضحكتك الساخرة، المستهزءه، أتعرفين ياعاليه..! لو شاهدت هذه القناة أو غيرها من التي تحدث بها محمد لتخلصت تماماً يا عالية، من فيروسك، سرطانك، المثبت في القلب، الأحشاء، عالية، أعترف، أنا أحبك، ولكن سيأتي اليوم الذي أنساك فيه، أنغمس في بحيرات، من اللذة، الجنون، الحب، بعيداً عنك يا عالية، بعيداً عن سخريتك، عالية، سأنساك قريباً.
 
 

المزيد


روايات - رواية قبض الريح - باب صدمه

يناير 21st, 2008 كتبها مدونة ضمانات لحقوق الانسان نشر في , روايات - الادب فى خدمة الحقوق

 

(1)
 
جاءت النتيجة، نتيجة الإمتحانات، سوداء كما وجوهنا، أرقامها صغيره، ظئيله، كانت تلك حقيقة جهودنا، بحثنا عن العهر، العرى، الخلاعة ، صفعه قويه وجهت إلى وجوهنا، لم نستطع تخطى إلا نصف المواد أما النصف الأخر فقد سقطنا فيها سقوطاً، مريعاً، مخزياً، ومرعباً أيضاً.
 
 وجه فارس أصبح كالصخر، كان يعرف أنه سيسقط منذ أن شاهد أوراق الإمتحانات، ولكنه لم يكن يظن أنه سيسقط هكذا إلى القاع، إلى الأسفل، إلى ما دون المستوى بكثير، الخوف من لسان والده أصبح هاجسه طوال مده دوراتنا في أرض المعهد، دون هدى، دون هدف، دون تفكير، شفتاه القرمزيتان أصبحتا بلون الدم المتخثر، وأنفه الشامخ أصبح متهدلاً وكأنه شاخ فجاءه عشرات السنين.
 
 ومحمد أصبح ساكتا كأنه أبو الهول، أما أنا فقد أحسست وكأني في بهو فارغ، لا غضب، لا مشاعر، كنت كوالدي وكوالدتي وكآسرتي كلها، لا أهتم!!وجلسنا حول مائدة مطعم المعهد نمج سجائرنا بصمت، لماذا الصمت أصبح مسيطراً علينا ؟؟ لماذا الحزن أصبح محتلاً لقلوبنا، حتى أننا لم ننتبه كعادتنا لفتيات المعهد المنتشرات هنا وهناك في كل مكان من حديقة المعهد، كل واحده تزف البشرى لصديقتها، وكل فتاه تتلقى التهانى من صديقتها، لم نكن الوحيدين اللذين سقطنا ولكن سقوطنا كان بشعاً، هل وصل الأمر أن لا نستطيع أن نأخذ إلا عشره في المائة فقط في بعض المواد، حتى الذي سيأتي من الخارج، من خارج المعهد، لو دخل إلى الإمتحانات وإستطاع حل السوأل الأول الصح أو الخطاء لكسب خمسه وعشرون، لكننا حتى السوأل الأول الذي أعتبره الأساتذه هديه لم نستطع أن نجد له حلاً، ولم نستطع أن نستفيد من هديه الأساتذه، يئساً لنا، يئساً للمعهد، يئساً لكل شي ساهم في هذه النتيجة المخزية
 سالت أنا بخوف :-
ـ هل سنصعد إلى سنه ثانيه ؟؟
حاول محمد أن يطمئن فارس :-
ـ بالطبع ولكن المواد ستظل تلاحقنا وفوق ظهورنا حتى نتخلص منها !!
 ـ متى ؟
 
مجددا حاول محمد أن يطمئن فارس :-
ـ هناك إختبار في نهاية السنة الثانيه.. كل من لديه مواد من السنين السابقة يستطيع الدخول والتخلص منها !!
ـ لن تأتى السنة الثانيه إلا وقد نسينا كل ما تعلمناه ؟؟
ـ غالبا ما تأتى امتحانات الدور الثاني سهله فهم أيضا يريدون التخلص منا.
بإحباط شديد همس فارس :-
ـ آلا يكفينا أننا نعيش هذه الحياة، البائسة، الملعونة، با لطبع لا، لا يكفينا، يجب أن يتدخل القدر الغبي ليجعل حياتنا أكثر بوساً وإحباطا
 همسًت وأنا أنفخ الدخان:-
ـ نحن من فعلنا بأنفسنا ذلك
ـ ها قد أصابته نوبة التوبة من جديد
ـ كيف أرجع إلى ذلك البيت وذلك الأب اللعين ؟
 همس محمد وكأنه يريد أن يعطى كلامه أهميه أو هو هكذا يهمس عندما يريد أن يوسوس كالشيطان:
ـ لدى ما ينسينا مرارة التجربة!
ـ ماذا لديك …قوارير البول ؟
ـ شي أشبه بالبول ولكنه مفيد !!
ـ عزيزي أنت تذهب بنا من جنون إلى جنون
 أجاب فارس وهو يحيط رأسه بكفيه ويظغط بشده
ـ هذا ما احتاج أليه فعلا أريد أن أنسي..
ـ إذاً فلنذهب !!
 
وجذبنا محمد، كان يجذبنا كل مره من هاوية، إلى هاوية، ومع ذلك كنا نحبه ونعشق صداقته، كان أوسطنا ويمسك كفي الأيسر وكف فارس الأيمن، نحن الإثنان نخطو معه، لا ندرى إلى أين، ولم تطل هواجسنا كثيراً فقد قاد فارس جواده الحديدي إلى دكان محمد بتعليمات منه، كان دكان محمد كما هو دوماً، كئيب المنظر، مقزز الرائحة، لا يفتح بابه إلا نادراً لدخول هواء جديد
 
ـ أول مره أحس دكاني رائعاً لأنكم فيه، تقتلون الوحدة لكي لا تفترسني …
 قال فارس وهو يجلس على الفراش الإسفنجي المهترىء
ـ من ينظر إليك يظن أنك لا تهتم بما جرى اليوم !
وأخرج محمد حاويه زيت شفافة مليئة بسائل ذهبي اللون وقدمه إلينا .
داعبته أنا بمزاحي الحزين :-
ـ ما هذا ألم تكتفي بقوارير المياه المعدنية الفارغة حتى بداءت تبول في حاويات الزيت ذات اللترات الثلاثـة ..
ـ بالطبع فأنا أكثر شخص إنتاجاً للبول 
 وظل الصمت مخيماً على المكان وهو يصب من حاويه الزيت الشفافة إلى بعض الكؤؤس البلاستيكية البيضاء الرخيصة
ـ هذا ليس كما تعتقدون، معاذ الله، أنه شراب شعير عادى،، مما يباع في الدكاكين، إشتريت عده علب وأفرغتها في الحاوية وأضفت عليها بعض حبوب الأسبرين الرخيصة وتركت الحاوية هناك في الزاوية لأيام، غالباً ما أتناول كأسا أو كآسين حتى أستطيع النوم، وفي الحقيقة أعترف أن له مفعول جيد، ليس كالخمر تماماً، لكنه مريح .
 
لم أكن أظن أن محمد يحوى كل هذا الشر بداخله، أتضح بالفعل أنه جندي من جنود إبليس المخلصين، كل يوم، كل ليله، كان يثبت مجدداً أنه جندي مخلص لإبليس، كنت أحبه رغم عيوبه، ثم أننا جميعا نحمل نفس العيوب، الطيور على أشكالها تقع، كم ينطبق ذلك القول علينا في تلك اللحضه بالذات، كأن قائل هذا القول المأثور شاهدنا في تلك اللحظة، عبر مراءه الغيب، أو عبر كره بلوريه، أو عبر الرمل والمندل ومن ثم أطلق قوله الحكيم، وإرتشفت كأساً بقليل من الخوف، ولكن فارس تجرع كأسه بسرعة، كان يريد أن ينسى سريعاً، آما محمد فقد كان يتجرع إختراعه من الحاوية رأساً، وشربت أول مره في حياتي بكثافة، بجنون، بطمع، كأني أريد أن أنسي، كلنا كنا نريد أن ننسى، وكنت أول من ثمل، وأول من بدا ليله الجنون الغريبة.
 
 كانت عيناي لا تستقران في محجريهما، وعالية، عالية ّ!!!! أشاهدها في كل مكان، في زوايا الدكان تضحك بسخرية، فأهرب بنظري إلى السقف، أشاهدها معلقه تضحك أيضا بسخرية، كنت أريد أن أنسي نفسي، تاريخي الصدئ، أحلامي المنهارة، حياتي البائسة، ولكن إختراع محمد كثف من معاناتي وذكرني بكل تفصيله مره في حياتي، وعالية ما زالت تضحك بسخرية، وأنا ما زلت أهرب بنظراتي منها من مكان إلى مكان، أشاهدها هناك بجانب قوارير البول تتعرى، وهى تضحك ساخرة، تستلقي بجانب القوارير وتباعد ما بين فخذيها ضاحكه بسخرية، وقفزت إلى الصور وتعلقت بجانب صورة مطربة واتخذت نفس الوضعية التي في الصورة، فأصبحت كأنها هي، كأنها توئمها، أو نسخه منها، وعندما فركت عيناى ونظرت مجدداً، ضحكت عالية بسخرية قبل أن تنتقل إلى جانبي، عارية، تتحسسني، وتقبلني وتضحك بسخرية، وصرخت وأنا ادفعها بقوه:-
ـ أتركيني !!
ـ من ؟؟من ؟؟
ـ عالية …ألا تشاهدانها ؟؟؟!!تسخر منى!!
 وإستقمت في منتصف الدكان واقفا أدور في كل إتجاه أشير في كل اتجاه :-
ـ أنها هناك، لا، لا، لقد إنتقلت إلى هناك، لا، لا، بل هناك، أثبتي في مكان واحد يا عالية، أرجوك، ألا تسمعانها تضحك بسخرية، أنها هناك، بل هناك، هناك، عالية ؟؟يا عالية، لا تفعلين بي هذا أرجوك، لماذا تفعلي بي كل هذا أنا أحبك !! أحبك، أحبك، أحبك، دائماً تسخرين منى، دائماً تستهزئين بي، لقد حزنت كثيراً عندما شاهدت نتيجتك، شاهدتها حتى قبل أن أشاهد نتيجتي، كانت كلها فوق الثمانون، فوق السيارة والثراء والجمال درجات مرتفعه أيضاً يا عالية، هنيئاً لك، سحقاً لك، هل ستتركينني، هل ستنتهين من المعهد وتذهبين لتعملين وتتركيني أدور أدور كالجمل، كالحمار في دوامه المعهد ألا منتهية، نعم أنا ثور، أنا حمار ياعاليه ولكن لا تفعلين بي هذا، أسكتي، أصمني، أثبتي في مكان واحد، إلا تسمعا أيها الأخرقان، أنها ما زالت تضحك، ما زالت تسخر منى، تهزا بي !!
 
وسارع الإثنان إلى إحتضاني وإرجاعي إلى الفراش الإسفنجي المهترئ، وأنا ما زلت أشير إلى كل زاوية من زوايا الدكان، دون هدى، دون تعقل، وأعطانى محمد كأساَ أخري هدئت من روعي، قبل أن أستقر في مكانى وأن كانت عيناي ما زالتا تجوبان الدكان، ألحق عالية وضحكاتها الساخرة، المستهزئة.
 
لم يمر وقت طويل إلا وقد بداء الجنون يظهر أيضاً على فارس، كان من الواضح أن إختراع محمد الجديد يجعل من الأنسان لا ينسى شيئاَ ولكنه يذكره بكل شيء ينغصه، ويجعله أكثر كآبه، وتجرع فارس خمسة كؤؤس متتالية، وبداءت نظراته تتنقل بيننا الإثنان، لا أعرف ربما كان ينظر إلينا وكأننا شيطانين، وربما كان بكائي قد آثاره بشده، فهو لا يحتمل أن يشاهدني حزيناً، كنت مستلقياً بجانبه، قبل أن ينحني على ويقبلني ماسحاَ بشفتيه خيوط الدمع، وضغط رأسه بقوه، كان دائماً ما يضغط على رأسه بقوه عندما يكون حزيناَ أو عندما يفكر تفكيرا جاداً وكأن رأسه إسفنج لو ضغط عليه أخرج كل ما يحتويه.
 
ـ كان حلمي الذي أنام عليه، أصحو عليه، أن أنجح، أعمل، أخرج من ذلك البيت، السجن، المعتقل، إلى غير رجعه، إلى الأبد، إلى أن أموت، إلى أن يواريني الثرى، كان حلمي .
 
 كان حلمي أن أشعر بالحرية، بالإستقلال، بالكرامة.كان حلمي، كان حلمي أن لا أرى وجه والدي البشع ما حييت، أن لا أسمع صوته اللعين مره أخرى، كان حلمي.
 
كان حلمي أن أذهب بموتوري إلى كل مدينه وربما إلى كل دوله، إلى كل قرية، إلى هذه الأرض الواسعة، لا أبالغ إذا قلت إلى كل شارع، أن أبتعد إلى أقصى نقطه على الأرض بعيداً عن والدي، كان حلمي.
 
كان حلمي أن أتقلب على الشاطىء، شاطىء بحر يبدو بلا نهاية، أن أبتعد عن كل شيء أبتعد عن هذا الإحساس بالهزيمة.؟..عن هذا الوطن المحاصر لي، وعن هذا الوالد الذي يمارس تعذيبه لي كل يوم، كل يوم، كل لحضه، كل لحضه،   كان حلمي.
 
كان حلمي، لقد نسيت، ما هي أحلامي، كلها تبخرت في هذه اللحضه، سحقاَ لك يا محمد وسحقاَ لإختراعك اللعين، أه حلمي، لقد وجدته، أنت أخفيته ي

المزيد


روايات -رواية قبض الريح - باب بداية جديده

يناير 21st, 2008 كتبها مدونة ضمانات لحقوق الانسان نشر في , روايات - الادب فى خدمة الحقوق

 

 
(1)
 
بداءت الدراسة وصعدنا إلى السنة الثانيه، رغم أننا ما زلنا نتحمل المواد التي سقطنا فيها على ظهورنا، حتى نتخلص منها في نهاية السنة الثانيه كما أخبرنا أحد الاساتذه العاملون في المعهد، كنا نريد إمتحان قريب لكي نتخلص سريعاً من هذا الحمل ولكن لا شي من ذلك حصل على الموافقة، والمواد المتبقية ستظل كما هي ترزح فوق ظهورنا، وسنظل نحملها كاللعنه، كالعقاب، لا بد أننا أصبنا بلعنه الإله الاوليمبي القديم، لا اذكر أسمه، أو سبب لعنته، ولكنه كان يحمل صخره عظيمة إلى أعلى الجبل وما أن يصل إلى القمة حتى تتدحرج الصخرة إلى القاع ليرجع ليحملها من جديد، نعم لقد أصبنا بنفس اللعنه التي أصيب بها الإله الاوليمبي القديم.
 كانت النتيجة وما حصل بعدها قد غيرت كثيراً من أحلامنا،   نظرتنا للعالم، فارس أصبح ساهماً طوال الوقت رغم أن الخبر أسعده كثيراً فقد كان يظن أنه سيعيد السنة بأكملها، ولكن صعودنا إلى السنة الثانيه جعلته يبتسم بعد طول تجهم، وأن كانت نظره الحزن ما زالت تسيطر على عينيه، ومحمد لم يعد يهتم بالمواد الملقاة على عاتقه وأصبح أكثر ميلا للاباحيه ويدعونا بإستمرار إلى الإنترنت.
 
 أما اللوكنده فلم نعد نذهب إليها مطلقاً بعد حادثه الرجل الذي مات وهو يمارس العادة السرية تحت شاله، أما الفندق فقد رفض فارس تماماً فكره أن ينام في غير منزله رغم تكرار محمد دعوته لنا لنذهب معه، ذهبت أنا وهو لوحدنا بضع مرات إلا أن أصابني الملل، فأنا أريدهما الاثنان ، وعندما مر قليل من الوقت، لم أعد أهتم، بالذهاب إلى الفندق، أو النجاح، السقوط، كنت كأسرتي، والدي لا يهتم، والدتي لا تهتم، أخوتي لا يهتمون، أنجح أن أسقط، أنام خارج البيت أو لا أنام، لا يهم، كل ما بيننا هو السلام عليكم، عليكم السلام، وفي بعض الأحيان الإلتقاء على الغداء أو العشاء، أما الإفطار فلم أكن أهتم به، ولا يهتمون بمناداتي، ربما لأنهم يعرفون أنه حتى لو كان الإفطار خروفاً مشوياً فلن أنهض لإلتهامه إلا في الثانيه بعد الظهر، كنت في بعض الأحيان أحلم بأن يكون لي والد كوالد فارس، ولكن عندما أشاهد نظرات فارس البائسة كنت أتنازل عن حلمي وأحمد الله أن لي والداً كوالدي لا يهتم بشيء ؟
 
بداءت الدراسة، بعد أسبوعين من الإجازه ولم يكن يحزنني إلا عدم وجود عالية، عالية تركتني إلى الأبد، ذهبت إلى تخصص أخر، كانت قد تخصصت في الإداره، بينما نحن الثلاثة تخصصنا في المحاسبة، وبالكاد إستطعنا الدخول بها، أما هي فقد دخلت تخصص الإداره عن جداره فقد كانت درجاتها في أي ماده في الإداره من السنة الأولى لا تقل عن الثمانون كما هي درجاتها بشكل عام، دائماً كنت أقول أن تلك الفتاه لا تصلح إلا للزعامة، قوتها، صرامتها، قدرتها على الإبتسام والإستظراف إن لزم الأمر، وإلقاء النكات في مرحها، الأوامر في جديتها، تجعلها جديرة بأن تصبح مديره لشيء ما بعد التخرج، هكذا تخيلتك دائما يا عالية، فوق مكتب، تأمرين، وتسخرين، وتطلقين ضحكاتك الساخرة.
 
 كنت بعد أن ظللت سنه بأكملها لا أنظر إلا إليها وأتجاهل الأستاذ أو اللوح الذي أمامه، أصبحت ألآن لا أراها إلا في الإستراحة، في ربع الساعة التي أشرب بها كأس الشاي، كنت ألتهم ذلك الوجه الذي طالما أحببته، تعبدت في محرابه، أين أنت الآن با عالية، لا بد أن لك الآن معجب سرى، ينظر إليك كما كنت افعل، سأجن لو عرفت ذلك.
 
أخرجني محمد من كل تخيلاتي هذه وبدون أى كلمه، دس في فمي سيجاره، أشعلها لي، ومن ثم وضع كأس الشاي بين يدي اليمنى، ونظرت إليه وأنا ما أزال ساهماً، كان اليوم هو اليوم الأول من السنة الجديدة ، وإستنشقت لفافة التبغ المدسوسة في فمي وأنا ما أزال أنظر إليها وهى ترشف زجاجه الكوك كولا من وراء النقاب، وبجانبها صويحباتها، وهمس لي محمد وكأنه يتلاعب بي :-
 
ـ أنسي، أنسى، النسيان نعمه، هكذا قالت ميادة الحناوى ؟
ـ لا أستطيع أن أنسى أول حب، وحلم اليقظة والنوم .
ـ نعم لا تستطيع أن تنسى الزائرة الليلية في كل عاده سريه .
ـ هل سنظل طويلاً نتحدث نفس الأحاديث، لقد كبرنا، أصبحنا في السنة الثانيه .
ـ نعم لقد أصبحنا في سنه ثانيه، أصبحنا كباراً بين ليله وضحاها، يا لك من معتوه، أنت حتى لم تتكلم معها كلمه واحده في الواقع، ولم تنظر إليك نظره واحده رغم إلتهامك لها، 
ـ أحبها يا محمد..
ـ إلى متى ؟وما نتيجة ذلك الحب، أنت قلت لقد كبرنا، فيجب أن تكبر أنت أيضا وتنسى عالية
ـ وأنت هل تستطيع أن تكبر وتنسى كريمة .
ـ كريمة هي من تبحث عنى، ولست أنا من يبحث عنها !!
( قاطعنا فارس الذي كان يستمع بهدوء ونظرنا نحوه وهو يمج سيجارته، نظراته الساهمة، الحزينة، هي لم تتغير:-
ـ يجب أن نهتم بالدر اسه وليس بالفتيات.
 داعبه محمد لكثرة صمته في الأيام الأخيره :-
ـ سكت دهراً، ونطق كفراً، من هذا الذي يتحدث، آبي الهول!!
ولم يرد فارس بل ظل صامتا كما هو دوماً، كان يبتعد دائماً عنا، ليس بجسده، ولكن بأفكاره، وصمته
ـ هناك شيئاً ما أنكسر بداخلنا!
ـ منذ تلك الليله المشئومة .
ـ أنتم دائماً ما تلقون بأخطائكم على شماعتي، لسن أنا من فعل بكم ذلك، وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، أرجو أن تتذكروا ذلك .
 
إنتهت سجائرنا، وكأسات الشاي، والإستراحة أيضاً، ودخلنا إلى القاعة، كانت مظلمة بسبب عدم وجود عالية، فقد كانت هناك، تضى بأنوارها قاعات الإداره، كان دخولنا صامتاً، في السنة الأولى كان دخولنا إلى القاعة صاخباً، ننثر النكات والإيحاءات، حتى يأتي الدكتور ويكمم أفواه الجميع، ولكننا الآن أصبحنا مكممي الأفواه طوال الوقت.
 
 نحن من فعل بأنفسنا ذلك، نحن من خنقنا أنفسنا بأيدينا، حتى بعد إنتهاء المحاضرة، أوصلنا فارس بصمت كل إلى مرقده، وذهب ليتجول بجواده الحديدي في طرقات العاصمة، شيئا ما أصابه، لقد أصبح سلبياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لا يهتم بشي، النكات، الأحاديث، النزهات الجميلة، مقاهي الإنترنت، لا شي، يدرس، يرشف شابه، يمج سيجارته، يتجول في أنحاء العاصمة، بصمت، بصمت مطبق.
 
 
 
  
  
(2)
 
 
 
إنتهت النزهة فوق الجواد الحديدي بسلام، وفي تمام التاسعة وصل فارس إلى منزله، والده كما هو دوماً، ينتظر إلى أن يأتي ليجلده بسوط لسانه الطويل، الطويل، وما كاد فارس يجلس على الفراش ويشاهد التلفزيون حتى بداء الوالد سواله المعتاد:-
ـ أين كنت لهذه الساعة ؟
ـ كنت في المعهد .
ـ كاذب، المعهد ينتهي في السابعة، ونحن الآن في التاسعة أين كنت؟
 
وظل الصمت هو المسيطر، لم يعد فارس يهتم بالإجابه على أحد، صمته أمام الجميع هو القاسم المشترك، أو هو الوباء الذي أصابه في الأونه الأخيره، وهذا أغضب والده كثيراً فأعاد سواله بعصبيه أكثر :-
 
ـ قلت لك، أين كنت لهذه الساعة، تتصعلك طوال الوقت وكل هذا على من، من يمولك، أنا، أنا فقط، لولاي، لولاي، لأصبحت مشرداً، وما الفارق، فأنت مشرداً الآن دون شك، أنظر إلى نفسك، لقد أصبحت كالمجانين.
 
لم يهتم فارس بالرد على والده، فقد كان محقا في أقواله، حتى والدته لم تهمهم همهمتها المعتادة، لتقطع الطريق على حرب ربما تنشب قريباً، بل ظلت صامته، وذهب فارس إلى غرفته بصمت، لم يعد يرد على والده في الأيام الأخيره، بل يضل يسمع بصمت، يسمع، يسمع، بصمت، ما يقول والده من كلمات ممجوجة، متسلطة، يسمع ويذهب إلى غرفته، وما أن إستلقى على فراشه حتى ذهب في بحور أحلام اليقظة يلعن بها كل شيء كان يفكر …
 
ـ فليعش الصمت سلاحاً للضعفاء، ولتحبا الشفاه المغلقة، الإنحناء، سلاحاً أيضا، فلتصب على أيها العالم كل، تفاهتك، سخافاتك، وساديتك، على، علينا كلنا.
 
 لن نصرخ متألمين، لن نهرب إلى جبل يعصمنا، لن نرحل إلى البحر، الوادي، الصحراء، الفضاء، أو إلى أي إمتداد أخر خالي من البشر، لن نرحل، سنظل هنا، سنظل نحيا وسط البشر، وسط الناس، وسط الغوغاء، نمتص غضبهم، أحزانهم، بصمت، بصبر، بالحلم بمستقبل أفضل، يأتي، أو حتى لا يأتي، لا يهم.
 
 إذا آتي فأهلاً به، وإذا لم يأتي فسحقاً له، وسنظل كما نحن دوما، صامتين، نمتص …، نمتص، نمتص.
 
 
 
 
 
 
 
(3)
 
 
لابد لطريق الرذيلة من نهاية، هكذا فكر محمد، وهو يسمع الإشاعات التي بتداولها الناس عنه وعن سلوكياته، والفتاه التي تأتى لزيارته، لا بد لطريق الرذيلة من نهاية، هكذا فكر محمد، وهو يسمع الإشاعات عن الصراخ الذي يصدر من دكانه.كل هذا سمعه أو تناهى إلى أذنيه بطريقه أو بأخرى.
 
 لا بد لطريق الرذيلة من نهاية، هكذا فكر مجدداً وهو يتحدث مع نفسه، بداخل الدكان الذي إزدهى بصور جديدة، لمطربات جدد، فبدلاً من ميادة الحناوى ألصق صوره هيفاء وهبي، كانت فد إشتهرت موخراً، ومحمد الذي عشقها من أول نظره وهى تتراقص على أنغام أغنيتها، راءها على قناة فضائية في المطعم المجاور الذي يذهب إليه ليشرب الشاي مع الخبز الجاف.
 
 لا بد لطريق الرذيلة من نهاية، فبدلاً من صوره أنغام حلت أليسا مكانها، وبدلا من نوال الزغبى، إكتسحت الجدار صوره ضخمه لنانسى عجرم، هكذا أصبح، أنحدر حتى على مستوى الصور المعلقة.
 
 لا بد لطريق الرذيلة من نهاية، هكذا فكر وهو ينظر إلى قوارير البول التي ما زالت في منصفها فلم يستطع بعد أن يعبئها، بعد أن أحضرت له كريمه قبل ثلاثة أيام فقط قوارير جديدة.
 
 لا بد لطريق الرذيلة من نهاية، هكذا فكر وهو يتذكر كل كلمه، كل همسه، كل قبله شبقه، كل نقطه عرق نضحت من الجسدين الشابين.
 
 لا بد لطريق الرذيلة من نهاية، هكذا فكر وهو يتذكر كل الشهور الماضية المترعة بالحب، الشبق، اللهث، الجنون المتبادل.
 
 لا بد لطريق الرذيلة من نهاية، هكذا فكر وصاحب الدكان، يخبره بأن يفرغ دكانه في أقل من أسبوع، رائحته فاحت، جنونه أصبح معروفاً، انحرافه أصبح أيضاً في حكم المعروف للكل.
 
 لا بد لطريق الرذيلة من نهاية، هكذا فكر وهو يتذكر جلوسه لساعات أما شاشه الحاسوب ليرى مشاهد إباحيه، وجلوسه ليالي كاملة يبحلق في أقوى ما أنتجته المخيلة الخلاعيه على القنوات المشفرة في الفندق.
 
 لا بد لطريق الرذيلة من نهاية، كل حياته أصبحت منصبه على تلبيه ما بين فخذيه، كأن ما بين فخذيه، هو المسيطر، الحاكم، وما داخل رأسه هو، التابع، الخادم، العبد، المسيطر عليه.
 
 لا بد لطريق الرذيلة من نهاية، جمع قواريره ورماها في القمامة، وجمع الصور المعلقة، الفراش المهترىء ودفاتره، ملازمه، كتبه، مشط الشعر المهترئه نصف أسنانه، ليخرج من الدكان إلى غير رجعه.
 
 لا بد لطريق الرذيلة من نهاية، هكذا فكر وهو يعطى صاحب الدكان مفتاحه، ويذهب في الطرقات على غير هدى، أين يذهب، لا أهل، لا معارف، وأصدقاء غير مرغوب بهم حتى بين أهاليهم، كان يمشى على غير هدى يحدث نفسه قائلا :
 
ـ أصبحت أنهب الطرقات نهباً، أبحث عن سقف ياؤينى، كالمجانين، كلنا مجانين، وكلنا سيأتي علينا اليوم الذي ننام فيه على الطرقات، أصبح المشي على غير هدى، بدون هدف، بدون زاد للرحيل، هو مرضنا، مرض عصرنا، مرض جيلنا، هل أصبح الحب، الحلم، الحرية جريمة، أين اذهب..إلى أين ؟؟إلى أين ؟؟
 
هكذا كان يحادث نفسه وهو يمشى، يمشى، يمشى، أعطى فارس فراشه ولم يستطع فارس السلبي حتى أن يدعوه إلى المبيت لليله، حتى أنا لم استطع أن أدعوه كل ما قمت به هو الإحتفاظ بملازمه وصور مطرباته وذهب، أنا لدى أخوات، ولن ادخل ذلك الخلاعى إلى بيتي.
 
 كم أحبه، ولكني لا أستطيع، لا أستطيع، ولن أستطيع يوماً، عندما أتى إلى وأخبرني بكل ما وقع عليه، بكل ما فكر فيه، بكل ما حلم به، بكل ما أعتقده، نظرت إليه بحزن.
 
 كان يقتلني إحساس أنى لا أستطيع أن أقدم المساعدة، كان يغضبني جداً أنه أتى إلى ليطلب المساعدة، نحن أصدقاء، لكنى لا أستطيع، لا أستطيع، ولن أستطيع.
 
 إستعنت بمنطق فارس، السلبية، الصمت، كان ينتظر منى كلمه واحده، كلمه واحده، أدعوه بها للدخول إلى المنزل، ولم أستطع أن أقولها، ولم أرغب بأن أقولها، ولن أرغب بأن أقولها، كنت أعرف ما يريده منى، ولكنني ظللت صامتاً، وعندما طال الصمت، وعندما طال الإنتظار، ذهب، ذهب، إختفي عند أول إنعطاف للشارع، وأنا أنظر إليه بحزن، بكاءبه، بإحتقار لنفسي، وسعادة لأني تخلصت منه.
 
 كانت مشاعري متضاربة، ولكني كنت مغتبطاً لأني لم أعطه إشاره ليبدأ بإستغلالي، العيش معي، أين يعيش معي أساساً، في بيت يملؤه، الأخوة، الأخوات، الوالدة، الوالد، الضيوف، لا، لا، لست أقدر على ذلك، أذهب يا محمد، تدبر نفسك، نحن أصدقاء ولكن الوقت ما يزال مبكراً لأمد لك يدي، فأنا أريد وأحلم بمن يمد إلى يديه.
 
 كيف يمد غريق يده لغريق، كيف يمسك من يسقط في هاوية بيد شخص يهوى هو أيضاً، كل شخص يجب أن يتمسك بشيء، نفسي، نفسي فقط، فنحن يا محمد أصبحنا في يوم القيامة، كل شخص الآن لن يهتم بأمه وبنية، صاحبته وصديقه أيضاً، إذهب يا محمد وتدبر نفسك، وإرجع إلينا كما تعودنا عليك، ضاحكاً، إباحياً، نهما للحياة والجنس، إذهب، إذهب،

المزيد


روايات -رواية قبض الريح - باب نخاسة

يناير 21st, 2008 كتبها مدونة ضمانات لحقوق الانسان نشر في , روايات - الادب فى خدمة الحقوق

 (1)

 
لم تكن النتيجة جيدة ، ولم تكن النتيجة سيئة أيضاً، ولكن دائرة حمراء واحده جعلتنا نحس أن جهودنا كلها ضاعت هباء، وفي نفس الوقت دائرة واحده فقط تعنى أننا قمنا بعمل جيد، هكذا كانت مشاعرنا، متضاربة، ومع ذلك أيضا كان إجتيازنا لأغلب المواد جائزة على ما قمنا به من ترك البحث عن الإباحية في الفنادق واللوكندات ما عدا محمد طبعا لأنه يسكن بها.
 
 حتى أننا لم نذهب إلى رأس عصر كما كنا نفعل إلا نادراً، كان الخوف يملؤنا من نتيجة عملنا، هل له ثمن ؟ هل سنجد عملاً بعد التخرج، إن تخرجنا.؟؟ عندما كنت أفكر أنى بعد المعهد سأظل في البيت بدون عمل، بدون دراسة، عندما كنت أفكر أنى بعد أن أنتهي سأنظم إلى قافلة البطالة والبحث عن أي شيء يسليني، أو التحدث مع نفسي في غرفتي إلى أن أجن كل هذا كان يجعلني، مرعوباً، خائفاً، غاضباً، ربما كان غضبى سابقاً لأوانه، ولكني كنت أفكر بالنتيجة النهائية.
 
 عندما أنجح، عندما أتخرج، ماذا سأفعل، هل سأعمل، هل سأتحرر؟؟ بعيداً عن عالية وسخريتها، كنت أحلم، أحلاماً بسيطة، أحلام الضعفاء، بيت، زوجه، أولاد، عمل أذهب إليه في الصباح وأعود إلى أولادي عند الظهيرة ببطيخه، أهذا حلم مستحيل … ؟؟ كنت أبتسم، ربما أضحك، عندما أعتقد أن هذه الأحلام البسيطة يمكن أن تتحقق، عندما كانت تغزوني، نفس الأحلام، أحلام اليقظة، بأني لن أجد عملا بعد التخرج، لن أتزوج، لن يصبح لدى أطفال، سأظل صعلوكاً، لا أستطيع حتى شراء البطيخ لنفسي، عندما كنت أفكر أنى سأظل العمر هكذا، كحاويه للقمامة، كشيء يفيض عن الحاجة، كنت أعبس، ربما أبكى لفترة، وربما تأتيني الفكرتان معاً، الحلمين معاً، فأبتسم وأضحك، في تناوب كالمجانين، أنا أخطو نحو الجنون، حاستي السادسة تقول لي ذلك.
 
بعد النتيجة كانت هناك عطله لنصف شهر، وبدأنا نخرج إلى الشوارع، كان محمد أكثرنا سعادة، ربما لأننا وافقنا أخيراً على دعوته لمشاهده القناة المجانية في الليل، ومع ذلك فقد أنقضى الأسبوع الأول من العطلة ونحن نؤجل في الموعد، وذهبنا إليه، كان كما هو دوماً، مرحباً، مبتسماً، فرحاً بأننا سنقيل بجانبه، في لوكنده كل من فيها لا يعرف أحداً، من الآخرين، فأغلبهم زوار ليله، أو ليلتان، القليل، القليل جداً من يسكنون اللوكنده، ووزع علينا القات والمياه الغازية، السجائر أيضا، كان فرحاً بنا رغم أننا إفترقنا نحن وإياه في اليوم السابق ولكنه كان يظن أن اللوكنده هي بيته الجديد وأنه سعيد جداً بأن أتينا إليه في بيته الحديد أخيرا.
 
 كان المكان الذي إختاره أكثر الأمكنه في اللوكنده عتمهً وأمامنا أكبر تلفزيونات اللوكنده حجماً، فاللوكنده تحتوى على أكثر من خمسه تلفزيونات تنتشر هنا وهناك في أرجاءها لتلبيه رغبات المقيلين، كان أفضل مكان هو مكاننا، لا بد أنه صارع كثيراً ليضمن لنا هذا المكان الخاص، الحميمى، ربما كان يتصرف وكأن اللوكنده قد أصبحت ملكاً له، هكذا كان يفعل، فمناداته للعامل كل فترة ليحضر شيئاً يظهر كم هو محبوب داخل اللوكنده، حتى أنه اخبرنا أنه قد أصبح صديقاً مقرباً من صاحب اللوكنده، مهيوب، هكذا اسمه!!.
 
 كان ثلاثتنا صامتون، نمضغ القات، نمتص رحيقه، ونمج دخان السجائر، نبحلق في أجساد راقصات الاستيربيتز اللواتي يتوافدن واحده تلو الأخرى على الشاشة، كان صاحب اللوكنده يحب محمد كثيراً أو هكذا خيل لي، فمده المقيل جاء إلينا ثلاث مرات ليسأل محمد إذا كان يريد شيئاً وهذا العمل لم يقم به مع أي شخص أخر، أعرف أن محمد يعشقه كل من ينظر إليه ولكن ليس بهذه السرعة، لا أدرى حقيقة.
 
 كان جسد الراقصة المتعرية، واضحاً وضوح الشمس في كبد السماء، فالتلفزيون الذي أمامنا أكبر التلفزيونات حجماً واصفاها ألواناً، فكنت أرى كل شي في جسد الراقصة وكأنها أمامي، بوضوح، بشفافية، ومحمد ما يزال يحاول إغوائنا للنوم لديه لنرى ما يعرض بعد الحادية عشره، فالرقص والتعري بالنسبة له على الأقل، لمن هم دون سن العاشرة أما هو فلم يعد يرغب بمشاهده هذه السخافات حسب تعبيره، وإستمر بإغوائه، وأصر عليه حتى وافقنا على المبيت، وظللنا نمضغ أعشاب القات ونمج السجائر إلى ما بعد التاسعة ليلا.
 
 كان أغلب المقيلون قد ذهبوا إلى بيوتهم، ولم يبق إلا اللذين يريدون النوم، كنت غالباً أن مضغت القات لا أحتفظ به إلا إلى المغرب ولكني اليوم تجاهلت المغرب والعشاء أيضاً وظللت أمتص رحيق القات، وأبحلق في الصور العارية أمامي، ولم أحس بالوقت، وكذا الأمر لفارس الذي كان يبحلق بشكل أكثر جديه منى، ومن محمد، ولم يحتمل صاحب اللوكنده المزيد، فقد كان يظن أننا مقيلون فقط وقد إنتهى زمن المقيل منذ زمن بعيد فإلى متى سنظل، وكأن محمد كان يقراء أفكاره وعيناه اللتان تنتقلان إلينا بين الحين والأخر فناداه قائلا:-
 
ـ سينامون الليلة هنا يا مهيوب ؟
ـ إذا كان كذلك فلا بأس .
ـ نريد عشاء يا مهيوب .
 همست أنا لمحمد
ـ كنت أظن أننا ضيوفا غير مرغوبا بهم، ألان تأكدت من ذلك .
ـ لا تكن سخيفاً، أنت زبون، إدفع وشاهد، إدفع وكل، إدفع ونم، طالما أنت تدفع فلا أحد عنده لك أي شيء، وكما قلت لكن أنتم ضيوفي أنا وأنا من سأدفع له فلا تهتم وأنظر إلى هذه السمراء المتعريه كم رد فاها مغريان، أوه، دقق النظر في الأثداء، دقق النظر ؟
داعب فارس محمد وهو يقذف القات من فمه في حاويه:-
ـ متى تنتهي هذه الرقصات، لقد شاهدت عشرات النساء طوال النهار، أين ما تحدثت عنه يا كاذب.
ـ أنت ألان صديقي، كن هكذا وسأحبك، وأحبك أكثر، ساعة من الزمن، ساعة فقط وستشاهد ما لاعين رأت، ولا أذن سمعت وما لا يخطر على قلب بشر .
ـ أهي الجنة …من تتحدث عنها .
ـ بل أجمل، بل أفضل، بل أروع، بل أبدع، بل ألذ، لن افسد عليكم متعه الانتظار والشوق بالشرح انتظروا وسترون..
 
ونفذنا كلامه حرفياً، أكلنا طعام العشاء، ووزع علينا العديد من السجائر، من نفس النوعية الرخيصة التي أدمنها وبداء يشتريها بالعلبة، ليس بالسيجارة، وبدونا كما نحن دوماً في مطعم المعهد أو في رأس عصر، نتحدث عن الجنس، نرشف كأسات الشاي، نمج سجائرنا، ونحن ننتظر ما تحدث عنه.
 
 كان حديثنا يغلب عليه الجنس أو هكذا جعله محمد، فحتى عندما كنا نتحدث في مواضيع أخري كان يرجعنا للحديث عن الجنس، وتغيرت ألوان الشاشة، وهبطت دقات قلوبنا إلى النصف ونحن ننتظر، أن تظهر الجنة التي أخبرنا بها محمد، ولكن زمن الإنقطاع طال ولم تتغير ألوان الشاشة إلى اللون الأحمر الذي تحدث عنه محمد، وكان أقلنا صبراً فارس، الذي ظهر وجهه الحقيقي، فلم يعد مولانا الذي يعظنا، ولم يعد ينتمي إلى طائفة الملا عمر والملا أسامه بل أصبح فارس الذي نعرف، الباحث هو أيضاً وأن كان بدرجه أقل من محمد عن الجنس، فهمس بحده :-
 
ـ هل هذا كل شيء، لقد تحولت الشاشة إلى اللون الأسود وتوقفت..أين ما أخبرتنا به ؟؟
ـ أنتظر دقيقه واحده .
ـ من ينظر إليك وأنت متزمت، صامت يقول أن راهب أو ربما ملاء، ومن ينظر إليك الآن سيقول بالتأكيد أنك إنسان ملحد لا رب لك ولا دين، ملى بالرغيه والشوق للخلاعة .
ـ لا تذكروا أمامي الرب، والدين، أريد أن أنغمس فيما أنا فيه، دون أن أفكر بهما اللحضه فهذا يفسد على متعتي .
 
كان من الواضح أن مضغه للقات طوال ساعات جعل منه أكثر حده، أكثر نزقاً فإبتسمنا له، وتعلقت أعيننا بالشاشة التي ظلت لدقيقه أخري سوداء اللون قبل أن تتغير ألوانها.
 
 ظهرت على الشاشة غرفه نوم أنيقة جداً، وصوت مياه في حمام مجاور وإتجهت الكاميرا إلى الحمام، وقلوبنا تدق، تدق، كأننا لم نشاهد خلال السنة الماضية أكثر من عشر مرات قنوات مشفره وليس مجرد قناة إباحية مجانية لا تسمن ولا تغنى من جوع، فالقناة المجانية لن ترتفع مهما كانت جيده إلى مستوى القنوات المشفرة، ولكن ربما كان انقطاعنا الطويل عن الذهاب إلى الفندق جعلنا أكثر شوقاً للمشاهدة لأي شيء يحتوى على الإباحية.
 
كان العديد من الأشخاص مستلقون بجانبنا..أو بجانب آخرون، يشاهدون اللقطات في التلفزيونات المتناثرة في اللوكنده، كان كل شخص متدثراً بفراشه، يعيش في دنياه الخاصة، ورغم أن الجميع ربما يعرف ما الذي يفعله هذا الشخص أو ذاك وهو يشاهد هذه اللقطات إلا أن الجميع لم يتكلم فلا أحد لديه عند الأخر أية نصيحة أو عتاب.
 
 وظهر من يستحم في الحمام، كان رجلاً أسود اللون كالفحم، وآمراه شقراء، يستحمان عاريان، وقد إنتقلت الكاميرا إليهم، وهما يتداعبان عاريان وحملها الرجل إلى السرير في الغرفة المجاورة، وعضوة الضخم يهتز أمامة ذات اليمين وذات الشمال وحصل ما حصل بعد ذلك، لقطه تتلوها لقطه، مشهد يتبعه مشهد، وكادر يتبعه كادر، ممثلون وممثلات يأتون، ممثلون وممثلات يذهبون، وكل لقطه أقوى من الأخرى.
 
 كان محمد متعوداً ربما على هذه المشاهد فلم يهتم بها كثيراً فقد غرق بعد ساعة أو ساعتين من السهر في نوم عميق وكذا الأمر بالنسبة لفارس الذي رغم حدته ونزقه بالكاد إستطاع السهر حتى ما قبل الفجر بساعة، أما أنا فقد كنت متعوداً على النوم المتأخر من البيت ولذلك فقد ظللت ساهراً حتى لم يعد غيري سهراناً في اللوكنده وبضع الأشخاص هنا وهناك، لا يتعدى عددهم أصابع اليد الواحدة، ولم يكد المؤذن يؤذن لصلاه الفجر حتى أطفاء مهيوب صاحب اللوكنده بث القناة من عنده فانطفأت كل التلفزيونات دفعة واحدة، إستنكر البعض، تثاءب البعض، نام الجميع.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
(2)
 
كنا ما زلنا نتجهز للدخول إلى القاعة، للاستماع للجزء الثانى من المحاضرة، ثلاثتنا إرتشفتا كأسات الشاي، ونفخنا دخان السجائر وبداءنا رحلة العودة إلى القاعة عندما إستوقفتنا فتاه، عرفها محمد منذ أول وهله، بدا مضطربا، وهو يوزع نظراته بيننا وبينها، وأنشق عنا وأمسك بها وخرج الإثنان من بوابه المعهد المفتوحة، لم نكلمه ولم يعطنا تفسيراً، وإكتفينا بالنظر إليه وهو يبتعد، بالرغم أنه هذا اليوم هو الرابع في الدر اسه إلا أنه لم يتغيب ولا نحن عن أي محاضره خلال هذه الأربعه أيام وقد قررنا أننا لن نتغيب على أيه محاضره ولكن ربما، كانت لدينا حسابات يجب أن نصفيها، حتى نتفرغ لدراساتنا، وربما كانت هذه الفتاه هي من ضمن الحسابات كنت أعتقد أن تلك الفتاه ما هي إلا كريمه، زاد في اعتقادي هذا تأكيدات فارس، الذي أخبرني أنه شاهدهما معا وهما يتجولان في طرقات العاصمة، بعد أن خسر محمد دكانه، في النهاية لم نهتم وذهبنا إلى القاعة لحضور الجزء الثانى من المحاضرة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
(3)
 
كان محمد ما يزال يمسك بذراع حبيبته القديمة، وهما يمشيان في الزقاق ليدخلا إلى زقاق أخر، صامتان، كل ينتظر الأخر أن يقول شيئا وبداءت كريمه الحديث :-
ـ لقد خطبت ؟
ـ مبارك.
ـ أهذا كل ما استطعت عمله .
ـ ماذا تريديني أن افعل ؟
ـ لا أدرى … تعال أنت وسأوافق عليك فوراً !!
ـ لا املك نقوداً ثمناً لدبله خطوبه فكيف بالزواج .
ـ سأعطيك أنا أموالاَ، ثمناَ لكل ما ستشتريه من هدايا الخطوبة والزواج أنا متكفلة به، لا تنسى أن لدى أم واحده فقط وأستطيع التأثير عليها بسهوله، لقد فكرت بكل شي طوال الأيام الماضية، تعال وسأوفر كل شيء لك، المال، المنزل، الحب، لدى الان مالا أعطيك أياه لتأتى وتخطبي، وسأوافق وتأتي في يوم آخر بالهدايا والدبلة، وكل ما يلزم لهذه المناسبة، لا تخف سأعطيك المال … ( خيل لها أنها حلت كل شي )
ـ من أين لك هذه من عشاقك ؟
 أجابت وهى تبتلع الإهانه :
ـ ومن أين تعتقد سأعطيك الأموال .
وابتلعهما الصمت من جديد، هو يفكر، هي تفكر، كل واحد منهمكاً في شأن يغنيه.
ـ هل سأصبح يوماً زوجاً لغانيه مبتذله، هذا ما كنت لا أفكر به مطلقاً، ومع ذلك سأحضى بالكثير، الأسره، الدفء، أه الدفء، المال، الزوجة، وهذا يعنى جسداً مجانى أملكة كل ليله أن أردت، ماذا تنتظر أكثر من ذلك يا أحمق .
 
ـ هل سأنجح في إمالته ؟، هذا ما كان ينقصني أن يأتي اليوم شخصاً لا أعرفه يطلب الزواج منى فإذا به عندما أوافق ونتزوج يرى..ما الذي بداخلى فلا يشاهد إلا بئراً عظيمة الغور، وإذا به يصرخ، عاهرة، فلتجعل يا الله محمد يوافق على الأقل ساضمن سكوته، وعلى الأقل، سأستطيع الخروج على الناس شاهره عليهم قطعه القماش المترعة بالدماء حتى ولو كانت من جرح بيدي، كل ما يهمهم هو الدماء وسوف أخرج لهم به، هل سيوافق .
 
والصمت ما يزال يبتلعهما، وهو ما يزال يمسك بذراعها بقوه، والأزقه ما زالت تبتلعهما زقاقاً تلو الأخر …
 
ـ ما رأيك هل توافق ؟
ظل صامتاً كما هو، وظلت تحدق به تارة وبالأرض تارة، بالسماء تارة …
 
ـ كل شي سيكون لك، جسدي، مالي، غرفتي، طعامي …شرابي، بدلًا من الحياة التي نحياها!!
وظل صامتاً يفكر، كانت الأفكار هي التي تحتل عقله، لم يكن يسمع شيئاً مما تقول ولكنه كان يغرق في التفكير …
 
ـ على الأقل أيها الغبي، تزوجها وتمتع بها وبجسدها وبطعامها، حتى تنتهي من المعهد وتجد وظيفة محترمه وتخلص منها، هل ستظل العمر تعيش على الفتات الذي يعطيك إياه أباك، أم أنك ستظل العمر كله داخل اللوكندات الأبشع كثيرا من أقذر حانات باريس الخلفية، وأن كانت بشاعتها في الخفاء، تحت الغطاء، أنت ستستفيد منها وهى أيضا ستستفيد من إشهار بكارتها المزيفة، تعرف تماما أنها ستكون مزيفه وبعدها إن تزوجت و أشهرت ما تريد، ستستطيع أن تفعل ما تفعله فقد أعطت ما للناس، لا تنس أنها حبيبتك، لا تنس أنها الوحيدة التي أعطتك آلاف الريالات التي زادت على ما أرسله والدك خلال مده دراستك، ولا تنس أنها من كانت تخرج قوارير البول من دكانك، تلك القوارير التي كنت أنت نفسك تتقزز من إخراجها، أنها تحبك، يجب أن تعرف أيها المغفل أنها تحبك، فهي لم تبخل عليك بشي طوال مده معرفتها بك، وافق، وافق فورا .
 
ـ ما بالك صامتاً ؟
ـ أفكر !
ـ لا تنسى أنني يجب أن أتزوج يوماً، وكل ما أريده هو أن أظهر على النساء في حفله زفافي رافعه رأسي ومطمئنة أنى لن أنكس رأسي بعار الفضيحة، أعترف أنى من فعلت بنفسها ذلك ولكن …ولكن ( لم تجد عذرا معينا ) ولكني سأعطيك ثمن وقوفك بجانبى، كل ما أريده هو فتره من حياتك وسأعطيك بدلاً منها الأستقرار، والمال والجسد وعندما تريد أن ننفصل أخبرني، اخبرني فقط وليذهب بعدها كلا منا في حال سبيله، وسأذكرك دوما بالخير .
ـ ما بال صنعاء أصبحت كئيبة هكذا.
ـ ما بالك أنت لا تعطيني كلمه واحده تجعلني أهداء .
ـ ما بالك أنت أصبحت لحوحه هكذا؟؟ سأفكر … أريد أن أفكر.
ـ فكر، فكر ملياً، وأنا أنتظر جوابك ( أفلتت ذراعها من قبضته القوية واتجهت إلى زقاق يذهب بها إلى منزلها )
 
كانت الآمال في موافقته تجتاحها، الأمنيات في زواج جميل، لا يحتوى على الإشاعات، الفضائح، الذل، العار، يجعلانها راغبة على بذل كل ما تملكه، في زواج ولو لفترة.
 
ـ سأجعله يوافق..وسأتمتع بزواج أجمل بكثير من اى زواج لآي فتاه ذهبت في عرسها .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
(4)
 
هل سنبيع أنفسنا، بحثا عن ريال يدخل إلى جيوبنا الفارغة منذ الأزل، هاهو محمد يرجع إلينا ليخبرنا بالعرض المقدم له، هل سيبيع نفسه، مقابل بعض ريالات تدخل إلى جيبه، وسقف يأويه، وجسد يحتضنه، وأنا هل سأبيع نفسي، لو جاء من يشترى، هل سأبيع ؟؟هل سأبيع ؟؟ سؤال فكرت فيه كثيراً، فارس بالطبع سيبيع نفسه بسهوله إذا كان هذا سيخلصه من والده الهتلري، ولكنه بصعوبة سيبيع جواده الحديدي، أعرف ذلك، وأمقت معرفتي بذلك.
 
 في زمن سوق النخاسة هو المسيطر، بالطبع لا توجد أوراق صك للعبودية، كما كان الأمر منذ زمن ولكن الآن هناك ما هو أفظع، بالطبع لا توجد في الحروب سبايا، وعبيد، ولكن هناك، قتل، تدمير، وإغتصاب، للنساء، الأطفال على السواء، ألان، أنت، أنت، ولا أحد غيرك، من يعرض نفسه، لا أحد يقبض عليك ويبيعك، أنت من تذهب لتعرض نفسك، مواهبك، جسدك، لمن يشترى، لمن يدفع أكثر.
 
 كانت هذه الخيالات هي التي تسيطر على وأنا أبحلق في سقف الغرفة الذي سيتهدم بين وقت و أخر، لكن الله وحده يعلم متى موعده بالضبط، أخاف يوماً أن يقع على وأنا نائم، فغرفتي هي الأعلى، والسماء فوقها مباشره، فإذا بي أدفن حياً، كالفتيات في زمن ما، وغفوت نائما أفكر، أفكر، أفكر، حتى أغمضت عيناى.
 
 كنت أفكر بالمستقبل، وبالمستقبل أيضا، والمستقبل أيضا، هل سيكون أرداء من اليوم، وأكثر رداءه من الأمس، لست أدرى، فجاءة أحسست بنفسي أخطو في سوق كبير، كبير، كبير، مزدحم بآلاف الشباب والفتيات، كلهم يعرضون أنفسهم على مصطبات في الأرصفه، مصطبات متجاورة، منهم من كان بثيابه، ومنهم من كان يتعرى، ومنهم من أصبح عارياً كما ولدته أمه، والنخاسون يتعاملون معهم بمهارة، كان النخاس، أي نخاس، يصرخ بلهجته المحببة، التي تجعل من الفتاه أو الشاب يصعد بإرادته إلى المصطبة، ليعرض نفسه كان النخاس يصرخ :-

المزيد


روايات -رواية قبض الريح -باب بيع

يناير 21st, 2008 كتبها مدونة ضمانات لحقوق الانسان نشر في , روايات - الادب فى خدمة الحقوق

 

 
(1)
 
كان زواجاً رائعاً، برغم أنه كان سريعا، بسرعة وافق محمد، بسرعة ذهبت معه كريمه، مستغله موافقته لتشترى كل شيء تريده، كانت خائفة أن يغير رأيه فما أن قال لها أنه موافق حتى سارعت بكل جهد لتجعل من الزواج حقيقة واقعه في أقل من عشره أيام، كان خوف كريمه من تغيير محمد لرأيه يجعلها تسارع إلى شراء الثياب، فستان الزفاف، وحجز القاعة التي ستحتفل بها، كانت تريد أو تحلم بإرتداء الثوب الأبيض، وتجلس على الكوشة، وترقص الفتيات من حولها، وقد تحقق حلمها، بنقودها حققت حلمها.
 
لم يكن عرس محمد كبيراً فلا مدعوين على الإطلاق، حتى أسرته لم يخبرها بزواجه، ربما كان خجلاً، ربما كان خائفا، ربما، وربما، كان غير راغب بإرهاق والديه العجوزين بالمجىء من القرية، البعيدة، إلى صنعاء، ثلاثتنا فقط من إحتفلنا بهذه المناسبة، لم أتحدث مع محمد عن هذا الموضوع خوفاً من إحراجه في يوم فرحه، ونفس الشيء بالنسبة لفارس الذي ظل صامتاً طوال مده دوراتنا بالموتور نحن الثلاثة، ربما كان محمد يحلم هو أيضا بزواج يكون هو بين العديد من المدعوين اللذين يباركونه ويهنئونه، ولكن لا أحد يعرفه في صنعاء، ولا هو يعرف أحداً في صنعاء، ما عدانا نحن الإثنين، دائما أنت وحيد يا محمد، تعيش وحيداً،ستموت وحيداً، لماذا يتعامل معك القدر بهذا الشكل، ما الذي فعلته، أو ما الذي ستفعله، ؟؟إلى متى يا محمد ستظل كذلك ؟
 
كريمة ما تزال في القاعة، رغم أن الساعة تجاوزت الثامنة، ونحن ما زلنا ندور على الموتور، رغم ثياب محمد الباهظة، التي إشترتها له كريمه، ثوباً أبيضاً مفصلاً، وحاكيت أسود وشال احمر اللون، كل شي كان يرتضيه كان جديداً وباهظ الثمن، إلا أن جسده الوحيد الذي كان رخيصاً، هكذا كان يحس، هكذا كنا نعتقد، لكنه لم يتحدث عما يحس به..ونحن أيضا لم نتحدث عن ما نعتقده، الكل كان خائفاً على مشاعر الكل، وكريمه، لا بد أنها ما زالت مزهوة بثوبها الأبيض الفضفاض، مبتسمة، تشاهد الفتيات المدعوات من جيرانها وزميلاتها في العمل يرقصن على أنغام، عمرو دياب، صابر الرباعي، وغيرهم كثير.
وتركناه عند التاسعة أمام منزل زوجته، كانت زوجته قد رجعت في ذلك الوقت من القاعة، فرحه، مستبشرة، فها قد نفذت ما تريد، وما قررت، وما حلمت به، إرتدت الثوب الأبيض، رقصت مع الراقصات، سمعت الزغاريد تدوي من حولها، ودارت بالسيارات التي جاءت معها من القاعة إلى البيت وسمعت المنبهات الخاصة بالسيارات تدوي طوال الطريق، كل ما حلمت به نفذته.
 
 محمد، لو كان لديك أسره، لو كان لديك أهل، لكنت الآن تزف بالأناشيد الدينية، وبغناء مطرب شعبي، والقناديل في كل مكان ولكن كل هذا لم يحصل، فقد تجولت بثياب عرسك في أرجاء العاصمة من دون أن يقول لك أحد ما مبارك، إلا نحن، كم أحببتك يا محمد، كم حزنت لأجلك، أنا أعرف تماما.أن هذا، كل هذا مؤقت. لن يستمر.
 
ومع أول خطوه لمحمد داخل منزل زوجته دوت في دهليز البيت العديد من الزغاريد لنساء تستقبلن الوافد الجديد، ذلك الوافد الذي تزوج في منزل زوجته، لأنه لا يملك منزلاً، يعيش في الشوارع، في اللوكندات، في الدكاكين البخسة الإيجار، ورفضنا تماماً أن ندخل معه، كنت أحس أنى سأصبح مشبوهاً إن دخلت إلى هذا البيت، ولكن كل ما كنت أحس به كنت أحتفظ به لنفسي، فقط اإابتسامة هي من أظهرتها طوال اليوم، إبتسامه متكلفه، تماما كإبتسامه فارس، تماما كإبتسامه محمد ؟
 
وغاب في زحام النساء اللواتي يرشقنه بالفل وهو يصعد درجات المنزل، وذهبنا نحن فوق الموتور الحديدي إلى لا مكان، لم نكن نعرف أين نذهب، ولكننا فارس وأنا أحببنا أن نستنشق هواء نظيفاً.
 
ها قد تحققت الروياء، ها قد تحققت النبؤه، نعم، سنبيع أنفسنا واحداً تلو اللاخر، ما فعله محمد هو أنه كان أول من تقدم، من باع نفسه أولاً، تماماً كما في الحلم، تماماً كما في الرؤيا، وكل ما في الأمر أننا ما زلنا نعانى من النزعة الفرعونية، تأخذنا العزة بالإثم، نعم الطوفان سيأتى، والبحر المنشق سيرجع كما كان، لكننا لن نصرخ بأننا مؤمنين، وأننا قد أمنا برب موسى وهارون، إلا بعد أن نغرق ونحس بعدم وجود هواء، المهم الان أن أبحث عن سمسار، عن نخاس ليعرضني في المزاد لمن يدفع أكثر.
 صاح فارس وهو يسرع بالموتور مما جعل بعض الزبد يتطاير من فمه إلى وجهي فصرخت به :-
ـ فيما تفكر؟
ـ أنبش ذاكرتي بحثاً عن سمسار معين لبيع البشر!!
   صاح أيضا فتطاير الزبد من فمه إلى وجهي :-
ـ إذا وجدت إسماً واحداً أخبرني لنذهب إليه سويه
ـ لقد خلقنا لكي نباع، لم نخلق لكي نحيا بكرامه..!!
ـ الم تكن تحلم بأن تتذوق وجبه همبرجر أو بر وست في أحد المطاعم، في حده، مستوطنه الأغنياء، الهاربين من الفقر والفوضى، ومدن التراب والصفيح، سأجعلك اليوم تآكل ما تريد ؟
ـ هل بعت نفسك لأحد ما وقبضت الثمن أنت أيضاً ؟
ـ لا أحد يشتريني فلست بجمال محمد، ووسامته لابأع، كل ما في الأمر أنه أعطاني ألف ريال أجره الموتور طوال اليوم، لقد كان خائفا أن أعطاك أنت أيضاً أن ترفض على إعتبار أنها نقود كريمة
 بحده صرخت في أذنه اليمنى وأنا اضغط على خصره :-
ـ ها قد بعت نفسك لكريمة، أنت أيضاً، أنت أيضاً!
ـ لم أبع نفسي لأحد، أنها إيجار الموتور، منذ الصباح وأنا أتنقل بكم من هنا إلى هناك لو عملت في الطرقات كما عملت اليوم معكم لكنت كسبت ألفي ريال وليس ألفاً واحداً فقط.
ـ ومنذ متى نعطيك أموالًا على إيصالنا، ؟أم أن هذه هي البداية الجديدة، بداية النهاية، أو إنتهاء عهد الصداقة، وبداية عصر المال، وكم ستعطيني مقابل خدمتي لك وكم سأعطيك مقابل خدمتك لي .
إن الرويءا تتحقق، أن الروياء تتحقق، لم يبق الكثير، لم يبق الكثير، يجب أن أفكر، يجب أن أعمل على إيجاد سمساراً بسرعة، ليعرضني في المزاد، وألا فات الوقت وذهب القطار، يجب أن أفكر بنفسي، إلى متى سأظل هكذا، هل سيأتي اليوم الذي يوصلني فارس فيه إلى المنزل لأهبط من الموتور فأجده يقول لي هات الثمن، ؟ من أين سأعطيه، سياكلنى الخزي وأنا أبحث في جيوبي فلا أجد إلا الفراغ، لا أجد ولو قرشاً واحداً أعطيه إياه.
 
 ما بالى أختنق، كل هذا الهواء الذي يصطدم بوجهي، لم يعد يكفيني!، لا يجعلني أحس باإانتعاش، بالحب، بالكرامة المفقودة، وكما هي عادته إنتزعني فارس من شرودي ونحن على بوابه حديقة السبعين ومطعم ( البيتزا هت) الرابض على مساحه واسعة من الحديقة مضاء بالعديد من الكشافات والقناديل وهمس لي ونحن نتجه إلى بوابه المطعم :-
 
ـ لقد أحضرتك إلى أغلى مطاعم العاصمة، وجبه البيتزا هنا بمبلغ مهول وخاصة لمن هم على شاكلتنا، لنعش اليوم ولنمت غداً، اليوم خمرا وغدا أمر، اليس كذلك، اليوم بيتزا وغدا عصيدة، هكذا هي الدنيا.
 
ـ ها قد جاء اليوم الذي تعتبر فيه وجبه البيتزا ترفاً وحلماً نحققه ومن بعد ذلك نموت، ها قد جاء اليوم الذي تصبح فيه وجبه الهمبرجر حلماً أكثر روعه من رسالة دكتوراه، ها قد جاء اليوم! 
ـ أقدر ما أنت فيه، فأنا غالباً ما أمر بهذه التعرجات التي تجعلني ضيق الأفق، حاد النبرات .
 
لم تكن البيتزا لذيذه، طوال عمري أسمع عن البيتزا أقاصيص يشيب لها الولدان ولذتها وأسعارها المرتفعة، ولكنها في النهاية لم تعجبني، فقد كانت ذات منظر مقزز، وغير ناضجة، لزجه، كنت أشد قطعه منها فإذا بها تمتط، وتمتط، وتمتط، وكأنها صنعت من المطاط، كم كانت مقززه، لم أكل منها شيء، في نهاية الأمر طلب لي فارس همبرجر، كان لذيذاً نوعاً ما فقد كانت هذه هي المرة الأولى أيضاً التي أتناول فيها الهمبرجر.
 
 كنت ألتهم الطعام، وأنظر إلى عشرات الشباب المنتشرين في أرجاء البيتزا هت الواسعة، غارقين في السراويل الجينز القديمة..التي زال عنها لونها وأصبحت بيضاء في معصمها، وخصوصاً عند الركبة، والفانلات الضاغطة، الشفافة، التي تظهر أجسادهم من خلالها، حتى أن بعضهم كان يرتدى فانيله داخليه مما ألبسها أنا تحت الثياب فقط فوق بنطا له وكأنها قميص أو ما شابه، رؤؤسهم محلوقة، فمنهم من حلقها تماماً حتى أصبحت لامعه، ومنهم من حلقها تايسون، ومنهم من إحتفظ بمقدمه رأسه حتى أصبح طول الشعر فيها يصل إلى فمه، وتخلص من الشعر في مؤخره رأسه حتى لا تكاد تصل الشعرة إلى سنتيمتر واحد، أما اللحى فحدث ولا حرج، فمنهم من صنع دائرة من الشعر حول فمه فيما تسمى.السكسوكه ، وهذا يعنى أن محمد ليس الوحيد الذي يحب هذه الموضة ،ومنهم من تخلص من شنبه وإحتفظ بلحيته ، ومنهم من جعل لحيته ، وذقنه ، وشنبه ، خطوطاً متصلة وكأنها خطت بقلم ، كأنها صف واحد من الشعر أما الباقي فقد تخلص منه ، لابد أنه متعب جداً هذا التصميم ، كنت أبحلق فيهم أكثر من إهتمامي بطعامي ، ففي ألازقه التي أعيش فيها لا يهتمون بتخطيط وجوههم بأقل عدد من الشعيرات كما هنا ، طبعا شاهدت منهم القليل في الشوارع ، أو في المعهد ..ولكنها المرة الأولى التي أشاهد فيها كل هذه الكميه المجتمعة في مكان واحد، أشبة بالمحمية الطبيعية ,   وهم يلتهمون أطباق البيتزا، الهمبرجر، والبر وست، يرشفون زجاجات الكولا كولا …وهمست لفارس :-
ـ هل سيأتي اليوم الذي يبيع فيه هولاء أنفسهم في المزاد ؟
ـ لماذا الم يبيعوا أنفسهم بعد !!لقد باعوا ، وقبضوا الثمن ؟؟ويبحثون الآن في أنفسهم عن أي شي يباع أيضا ليبيعوه، فيما تبقى منهم، أو ما تبقى لهم،
 
صدقت ما قاله ورجعت لتناول الهمبرجر، أما البيتزا فقد تركتها لفارس، ولم نكد ننتهي حتى سارعنا بالخروج، لم يكن المكان جيداً، أو ربما كان ممتاز ا و لكن لم نحس بالراحة بداخله، لأننا نعرف تماماً، تماماً نعرف أن هذا المكان ليس لنا، وهذه المستوطنة، مستوطنه حده ليست مستوطنتنا، وبكل ما فيها من قصور وقلل، ليست المكان الذي نحس بداخله بالأمان، وسارع الموتور بنا إلى منازلنا، تلك الحارات القديمة، تلك الشوارع المليئة بالتراب والغبار وأكياس القمامة، تلك ألازقه المليئة بالأطفال الحفاة، شبه العراة، أولئك الأطفال اللذين يلعبون الآن ألعابهم التقليدية ، تلك الشوارع هي مسكننا الأبدي التي أن أخرجنا منها نموت تماماً كالسمكة إذا خرجت من الماء
طوال الطريق، طوال الطريق لم نتبادل أنا وفارس أي كلمه وأن كان يتجشاء بإستمرار بين فتره وأخرى..ومن ثم يصرخ فرحاً:-
 
ـ لا بد أن البيتزا مع قارورة الكوك كولا صنعت خصيصاً لمن يعشقون التجشؤ المستمر، أريد أن أذهب مره أخرى، إلى، إلى البيتزا هت.
ـ لا بد أنك تعتقد بأنك إكتسبت الجنسيه الأمريكيه بسبب وجبه بيتزا!
ـ طبعا أنا الآن لست فارس أنا فرى الامريكانى ؟؟
ـ إذهب بي إلى منزلي وأتركني من تفاهتك، ثم ألا تعرف معنى فرى، أنها تعنى مجاناً يا عزيزي، هل أصبحت فارس الامريكانى المجانى، أم ماذا ؟
إبتلع الاهأنه و أعادها إلى سريعاً
ـ كلنا مجانيون، كلنا فرى يا عزيزي، لا اأحد منا سيباع في سوق النخاسة الذي تتحدث عنه بإستمرار في الأيام الاخيره بريال واحد كلنا فرى ياعزيزى كلنا مجانيون، أنا فرى، أنت فرى، كل شعوب العالم الثالث، فرى، فرى، فرى، إلا من يسكنون المستوطنات بالطبع، كمستوطنه حده .
ـ توقف هنا، ها قد أوصلتني إلى بيتي، والآن يا فرى، إذهب إلى بيتك، فالوقت متأخر .
ـ وأنت إذهب إلى غرفتك لا بد أن والدتك قلقه عليك !!
ـ لا أحد يقلق على، لا أحد يهتم بي، أتظن أنى أنت ما أن تتأخر حتى ترجع إلى هتلر ليعطيك نصيبك من التعذيب، الإهانات، التحقيقات، والصفع والركل، إذهب إلى منزلك فهتلر ينتظرك، لا بد أنه ألان يشحذ أدوات التعذيب انتظاراً لك .
 
ابتسم فارس ابتسامه باهته وهو يبتلع الاهأنه الاخيره ويمضى مندفعا بالموتور..ودخلت إلى منزلي، لأقابل والدي الغير مهتم، والدتي الغير مهتمة، أشقائي الغير مهتمون، شقيقاتي الغير مهتمات ؟.. واندفعت إلى غرفتي حتى من دون أن يدعوني أحدا منهم إلى العشاء الذي كانوا ما يزالون في منتصفة.
 
ما بالى، ماذا أصابني، منذ ذلك الحلم، أو تلك الرؤيا، وأنا مندفع في قسوتي، يوما تلو الأخر، أوزع الإهانات والتعليقات الساخرة، على كل من أحب، وكل من لا أحب، فليبع نفسه من يريد أن يبيع، ما دخلي أنا، لماذا احشر نفسي، وليعرض نفسه من يريد أن يعرضها، مجانا أو عبر كروت التشفير، أو عبر الفيزا كارد، ما دخلي أنا، لماذا احشر أنفي البغيض في كل هذا ؟؟؟ ليس أنفي بغيضا فقط، بل لساني أصبح أكثر بغضا وتلك الكتلة الهلامية التي في رأسي أصبحت أكثر بغضا من الجميع.
 
 لابد أنى ساجن، أن لم أكن مجنونا حقا، لا بد أن فارس ألان ينهب الطرقات حزينا، مجروحا، لماذا أنا هكذا؟؟، لماذا أهنته ؟؟ ، منذ متى، وأنا أهين من أحب..وأنا من يستحق الاهأنه، كيف اسخر ممن اعشق، وأنا من يستحق السخرية.
 
 أين أنت ياعاليه لكي تنتقمي للجميع منى، من هذا الطفل المشاغب المسمى على، لا أعلاه الله يوماً، ليضل سخريه للجميع، أنت الوحيدة التي تستطيع أن تنتقم للكل، تعالى لكي تتعرى من ثيابك، قطعة تلو القطعة، وتتقافزي في هذه الغرفة الضيقة الكئيبة، ذات السقف المتهدم، وأنت تضحكين بسخرية ومجون، تعالى ياعاليه، منذ أن إبتعدت عنى إلى قاعات الادراه وأنت تباعدين زياراتك لي، كل ليله، كل ليلة، كنت تسخرين منى، كل ليله كنت ترقصين لي، كل ليله كنت تضاجعينني أو هكذا كنت آتوهم، ألان أياما تهجرينني، أسابيع تهجرينني، إلى متى يا عالية، إلى متى، أريدك، أريدك، أريدك الآن، أريد أن أسمع ضحكتك الساخرة، تعالى يا عالية تعالى لكي تسخري من هذا الجسد الممدد دون حراك، تعالى لكي تسخري من هذا الشاب المجانى، الفري، الذي لا يساوى قرشاً، تعالى يا عالية..تعالى وانتقمي للكل.
 
 
 
 
 
  
 
(2)
 
 
لأسبوع كامل بعد الزواج لم يظهر محمد، لا بد أنه غارق ألان بين ذراعي كريمه،، أسنانها، ولا بد أنهاأيضاً قد رفعت رأيه عفتها في وجوه النسوة صارخة بهن :-
 
ـ أنظروا، دققوا النظر في هذه الخرقه البيضاء أو من كانت بيضاء، أنها مترعة بالدماء، أنها دماء بكارتي، أنظروا، دققوا النظر، هذا هو دليل كرامه كريمه، وعفتها، وشرفها.
 
ولا بد أن النساء اللواتي تحدثن عنها، أو من إتهمنها في السر أو في العلن، قد عضضن أصابع الندم على ظنهن، وأن بعض الظن إثم، ها قد تحققت رغبتك وأحلامك يا كريمه.
 
كنا ما زلنا في مطعم المعهد، أنا وفارس، نشرب الشاي وننفث دخان السجائر، كما كنا، كما نحن دوماً، كما سنظل، إلى الأبد، ربما، عندما وقف محمد بجانبنا، ببذلته البنية اللون الأنيقة، وربطه العنق الذهبية اللون، كان صارخ الأناقة، والوسامة، سارعنا بتقبيله مرارا ًوتكراراً، وهو يتلقى التهاني بأريحيه، كنت قد قررت أن أبتسم، وأن أحتفظ برداءة لسأنى، وبشاعة ألفاظي لنفسي، فمنذ تلك الليلة التي جلدت فيها نفسي بسياط التقريع والإهانات بعد أن رحل فارس من أمامى مجروحاً ومهاناً، كما لم أشاهده طوال مده صداقتي له … همست لنفسي :-
ـ لا دخل لك أيها الغبي، فقط إبتسم، إضحك، وإحتفظ برداءة لسانك لنفسك …
 
كانت زوجته معه، لأول مره أشاهدها عن قرب، كانت جميله، رغم النقاب، إلا أن العينين العسليتين، وتلال الماكياج الأرجواني فوق جفونها جعل لمنظر تلك الفسحة الصغيرة حول عينيها آية في الجمال.
 كانت هي أول من بداء بالكلام :-
 
ـ إذاً فأنتم أسره محمد طوال الأسبوع الماضي وهو يحدثني عنكم..
أجابها فارس بتزلف:-
 ـ نحن أسره محمد، ومحمد هو أسرتنا، طوال الوقت ونحن نحس به، الأخ، الصديق، نحن نحبه .
وإبتسمت أنا موافقاً على كلامه وأن كنت أتحدث مع نفسي وأنا أنظر إلى فارس قائلاً:-
ـ تحدث عن نفسك أيها الغبي !!
وإحتضنت كريمة كف زوجها وهى تقول :-
ـ كلنا نحب محمد ..أساساً لم يخلقه الله إلا للحب!!
 وإبتسمت لها وأنا ما زلت أتحدث مع نفسي :-
ـ نعم إحتفظ بالإبتسامة، فقط، إحتفظ بالإبتسامة، ماذا أصابك، هل تحتقره، هل تحسده لأنه إستطاع الفوز بجسد مجانى، طعام مجاني، منزل مجانى، فلتكفيه سنوات الضياع دعة يتمتع قليلاً، لا تحسده، لا تكدر عليه فرحته..دعة فقط يرى إبتسامتك ؟؟
دعانا محمد وهو يبتسم ابتسامه كبيرة :-
ـ لقد قررت أن أدعوكم إلى العشاء، أعرف تماماً أن ما يعشقه على هو البر وست، ولذلك قررت مع كريمة أن نأتي إليكم وندعوكم إلى أي مطعم وعلى حسابي .
وإنقلبت بنظري من كريمه إلى محمد وأنا ما زلت أحدث نفسي :-
ـ من نقودك، هه، منذ متى تملك النقود، أيها المفلس، هل هي نقودك أم نقود كريمة، أم نقود عشاقها، إذهبي أيتها الأفكار النجسة من رأسي إذهبي !!
ـ لا أعتقد أن على سيوافق فقد دعوته في يوم الزفاف إلى العشاء ولم يعجبه أي طعام من المأكولات الامريكانيه .
انتقلت ببصري من محمد إلى فارس وأنا ما أزال صامتاً ومبتسماً وأحدث نفسي :-
ـ نعم نعم..هكذا تسلح بالإبتسامة ؟
ـ إذاً سندعوه على كباب أو برعي في سوق الملح وعلى حسابي .
ونظرت إليه وأنا مازلت صامتاً أفكر :-
ـ ما باله يكرر، على حسابي، على حسابي، هل سننكره، هل سنكذبه، اعرف أنها على حسابه، لا بد أنه أجتهد كثيرا في الأسبوع الماضي، وأن النقود التي يتفاخر بها في جيبه هي أجرته على تعبه.
 
كانت كريمه إسم على مسمى، فإيجار التاكسي هي من دفعته، وإن كانت النقود تخرج من جيوب محمد، وطعام العشاء هي من دفعت ثمنه وإن كانت النقود أيضا تخرج من جيوب محمد، كل النقود التي صرفت كانت تخرج من جيوب محمد وأن كنا أنا وفار س نعرف تمام المعرفة أنها نقود كريمه.
 
 منذ متى كان محمد يملك النقود، ذلك المتشرد، من كان ينام وقوارير البول تحيط به، وعندما تطور أصبح ينام بجانب عمال البناء والمتشردين الأرستقراطيين في اللوكنده، أصبح الآن يدعونا إلى عشاء ثمنه يفوق الآلف ريال، آلف ريال كنت تأكل بها يا محمد شهرا ًكاملاً، خبز وشاي، أن كنت تذكر، وأن كنت لا تذكر سأذكرك، ما بالى أصبح هكذا أفكارى أصبحت مريضه، هل أحسده، هل أحتقره، ما بال هذه الأسئله تغزو عقلي كل لحضه، كل لحضه، كم أنا بغيض.
 
وكريمه جميله بالفعل، ففي المطعم وفي جناح العائلات خلعت نقابها، ليظهر وجهها كاملاً، كانت جميله حقاً، وأن كانت تقاسيم وجهها تشبه إلى حد ما وجه العاهرة التقليدي، وجه متناسق التضاريس، عيون وقحة تبحث عن الأماكن الحساسة في الرجل، الألوان الصارخة على وجهها من الارجوأنى على جفونها إلى الأحمر الصارخ على شفتيها، والعلكة تتراقص في فمها وتصدر أصواتاً، والمصيبة أنه كيف يوافق محمد على أن تظهر بزينتها أمامنا، ألا يعرف من نحن، لا بد أنه الآن يفكر ويحدث نفسه، فيما يفكر فارس وعلى، كيف ينظرون إلى زوجتي وأنتهي العشاء بسلام ، ورجعت بنا سيارة الأجره إلى منزل محمد ، يا للعجب العجاب ؟؟..محمد أصبح يملك منزلاً، ومع ذلك لم يدخل معها إلى البيت كان يجب أن يرجع معنا إلى المعهد الذي لم تنتهي الجزء الثانى من المحاضرة بعد لنأخذ جواد فارس الحديدي المقيد إلى شجره من شجيرات المعهد.
 
 كان الوقت ما يزال مبكراً نوعاً ما، فالساعة لم تكن بعد قد وصلت إلى السابعة، ومع دخولنا من باب المعهد كان الطلاب يخرجون، من المحاضرة، وإعتلينا ثلاثتنا جواد فارس الحديدي، وبدائنا رحله أعادتنا إلى روعه الماضي القريب، أنا أحتضن فارس، ومحمد يحتضنني، والجواد الحديدي ينهب الطرقات وصرخ فارس فرحا ً:-
ـ كم إفتقدت هذه الصحبة ؟
صرخ محمد ليصل صوته إلى فارس ولكن الريح أخذت معظم الصوت :-
ـ كم أحسست بالغربة بعيدا عنكم .
لم أصرخ فرحا كما فعل الإثنان وأن كنت فرحاً بهذه الصحبة، كانت مشاعري في الأونه الأخيره قد أصبحت بليدة، غالبا ما أمر بهذه الفترة بين حين و أخر. فبعد أسابيع من المرح يأتي اليوم أو الأسبوع المر الذي أغرق فيه، داخل جب من البلادة، الحزن، اللسان الطويل، الطويل، تماماً كلسان والد فارس، هكذا دون سبب وجيه، لأرجع بعد فتره إلى مرحى السابق، أيضا دون سبب وجيه، أنا مجنون أعترف بذلك، حتى من دون أن يطلب أحداً ما منى الإعتراف، لم نصعد إلى رأس عصر كما هي عادتنا، ولم نذهب إلى مستوطنه حده لمشاهده قصور المسئولين السياسيين، ولكننا غرقنا في طرقات صنعاء القديمة، وأزقتها، حواريها، أصبحنا ندور فيها، وندور كأننا لن نستطيع الخروج، وكأننا دخلنا إلى متاهة المينيتور بحثاً عن ذلك الكائن الذي نصفه ثور والنصف الأخر إنسان ولكننا لم نجد شيئا إلا التراب والغبار، الأطفال الحفاة، شبة العراة، وظللنا، ندور، وندور، وندور
 
 
  
 
 
(3)
 
 
 
صديق جديد إنظم إلينا، لم يصبح صديقاً بالمعنى المعروف ولكننا تعرفنا عليه أكثر من أي شاب أخر داخل المعهد، كنا جالسون في مطعم المعهد، نشرب كأسات الشاي، ونمج سجائرنا كما هي العادة في الاستراحة، كان ثلاثتنا حاضراً حتى محمد الذي أصبح يحضر، فقد حضر خلال الأسبوع الماضي ثلاثة أيام كا

المزيد


روايات - رواية قبض الريح - باب حلم

يناير 21st, 2008 كتبها مدونة ضمانات لحقوق الانسان نشر في , روايات - الادب فى خدمة الحقوق

(1)

 
ها قد رجعت إلى رجلاى، في فتره ما كان فارس هو من يذهب بي كل يوم إلى المنزل، أما الآن فقد رجعت إلى رجلاى، الوحيدتان اللتان لم تغدران بي، أما أنت يا فارس، يا من كنت صديقي فقد ذهبت إلى هناك، إلى الضفة الأخرى، إلى الجانب الذي كل أفراده يبحثون عن المال، ولا شي غير المال، ويبيعون أي شيء منهم مقابل المال، ها قد تحقق الحلم، ها قد تحققت الروياء.
 
 بعت نفسك يا فارس، بعت نفسك يا محمد، ذهبتم، ذهبتم إلى البعيد، متى ينتهي هذا الطريق الطويل، شارع العدل، أين العدل؟؟؟ لو كان هناك عدلاً لوجدت في جيبي على الأقل ثمن أجره الباص، سنه ونصف، بل أكثر من سنه ونصف، وأنا، لا أجد ثمن أجره الباص، سحقاً لي، سنه ونصف وأنا ما زلت كما أنا، سأظل كما أنا، أه يا قدماي، كل الأصدقاء خائنون، ما عدا قدماي فقط ؟؟؟ متى ينتهي هذا الشارع الطويل، ها قد رجعت مجدداً ألعن هذا الشارع، بعد أن كنت لا أقطعه إلا على جواد فارس الحديدي، الذي يقطع الشارع في خمس دقائق على الأكثر، أما الآن فلا تكفي ساعة كاملة لأنتهي من هذا الشارع :-
ـ هيه ؟؟؟أين كنت لهذه الساعة ؟
نظرت إلي الفتاه المتبرجة..كان تبرجها يبدو من خلال النقاب، عبر أرتال الماكياج فوق جفونها، أجابت بصوت ناعم :-
ـ كنت في عرس إحدى صديقاتي !!
ـ وسترجعين إلى المنزل ؟
ـ والى أين سأرجع، بالطبع إلى المنزل .
ـ كنت أريد أن نتمشى قليلاً لنقطع الطريق الطويل !!
ـ أريد ذلك، لكن منزلنا أصبح قريباً، في الزقاق الثالث هناك ( أشارت بيدها )
لم أشاركها إلا بضعه خطوات، وما أن إستدارت ناحية الزقاق الذي أشارت عليه، حتى واصل طريقه المستقيم، بنية الإنتهاء من شارع العدل الطويل، كانت أفكاره ما زالت تتداعى، وتتداعى
ـ هيه، على الأقل ليست كالأولى، التي تحرشت بها قبل سنه أو أكثر، فأنا لست كمحمد أتحرش بالفتيات كل يوم، كانت بعد كل كلمه تصرخ، وقح، لكن هذه كانت ناعمة، ربما لو لم يكن منزلها قريباً لكنا الآن نتحادث،   طمعا في قطع الشارع الطويل، سحقاً لك يا فارس، يا من نسيت الصداقة، وذهبت لتبحث عن المال.
 
 عالية، أه عالية، الحب الكبير، الحب الأعظم ؟ لم أستطيع أن أقول لها حتى، السلام عليكم، لم أستطع حتى أن أقول لها، كيف أنت، أو كيف الدراسة، أو أي كلمه، لا شئ، لا شئ، ومع ذلك ما زلت أحبها، ومع ذلك ما زلت أنتظر أن أراها في مطعم المعهد، عسى أن ترجع لحظه من الزمن الماضي، ولكن الزمن لا يرجع، وعالية لا ترجع.
 
فارس ذهب أيضاً ولن يرجع، أه يا عالية، أين أنت الآن، أصبحت تأتين إلى المعهد   فوق سيارة والدك، التي يقودها شقيقك الوسيم والذي يعطى دلاله أكيده على جمالك، وتدرسين كيف تصبحين مديره، ساخرة، آمره، ومن ثم ترجعين إلى المنزل، ذكيه أنت، ستتخرجين، أما نحن فلا شي لنا، لا سيارة، لا مال، لا تخرج، لا عمل بعد التخرج، أن تخرجنا بمعدل ضعيف، أو مقبول على الأكثر، هكذا نحن، كتب علينا أن نظل كما نحن، دوماً كما نحن، دائماً كما نحن، ومع ذلك يا عالية، يا محمد، يا فارس، حتى ولو تركتموني وحيداً، حتى ولو لم يعد هناك من يهتم بي، أنا سأهتم بنفسي، سأنتظر، سأنتظر، سأنتظر يا محمد، سأنتظر يا عالية، سأنتظر يا فارس.
 
 سأنتظر أن تشرق الشمس على من فوق قمة جبل نقم، سأنتظر وأن كلفني ذلك حياتي، سأنتظر وأن خسرت حلمي الكبير، أنت ياعاليه، سأنتظر ولو خسرت الحلم الذي ظل يستعمرني لسنوات، أنت أيضا يا عالية، كم أحلم بأن أحب وأن يحبني الآخرون، وخصوصاً أنت يا عالية، حلمي بأن أصبح شيئاً ذو قيمه، حلمي بأن أطير في شوارع و أزقه صنعاء كالفراشة، أو كعصفور ملون بكل ألوان قوس قزح، حلمي الذي أحلم به دوماً، يا عالية، يا محمد، يا فارس، أن ينتهي هذا الشارع الطويل، ها أنا أمشى بداخله منذ أكثر من نصف ساعة ولا يظهر أن له نهاية.
 
 أنا مرهق، أبحث عن فراش أتوسده، أنام عليه، كم أنا مرهق، يا عالية، يا محمد، يا فارس، أتعرفون، عند نهاية كل يوم، عند غياب الشمس، أحس بالإكتئاب، يدونكم، عندما تركتموني، بداءت أحس، بالخوف من الليل، الظلام، الظلم، شوارعك كئيبة في الليل يا صنعاء، لماذا يا صنعاء، من يسكنوك، تغمرهم الاحزان، والأفكار الغبية، الكوابيس، خصوصاً في الليل يا صنعاء، لماذا تفضلين العيش بين الغبار والاتربه، وتجعلينا نعيش معك بين الغبار والاتربه.
 
 أليس المستقبل أمامك جميل إلي أقصى حدود الجمال، وشوارعك يا صنعاء، المكسوة بالحجر الشبامى، والحبش، لماذا أصبحت زلقه، ومنازلك الغارقة في القدم، أصبحت كبيوت الرعب، من دون أحبائي، ومن دون أصدقائي، متى ينتهي هذا الشارع الطويل، أه لو كان منزل تلك الفتاه الناعمة بعيداً كمنزلي، لكنا الآن نتسامر، بدلاً من الحديث مع نفسي كالمجانين، نعم أنا مجنون، والا لما كنت فكرت هذا التفكير.
 
 ما لى أنا وتلك العاليه المستبدة، المتعجرفة، الساخرة، وذلك العبد محمد، الذى باع نفسه في سوق النخاسة، وذلك الفارس الذى خلع رداء فروسيته، وأصبح نسخه طبق الأصل من أي يهودي معاصر، باحثاً عن المال حتى ولو باع إنسانيته، ولماذا أهتم بك يا صنعاء، فلتذهبوا جميعاً إلى الجحيم، نعم إلى جهنم، فهي مكانكم، ومستقركم، أصبح المال موجوداً في جيوبكم، فأصبحتم، متكبرون، صلفون، مستبدون، تتناسون كل شيء جميل، أهذا هو المال، إذا كان كذلك فلا أريده، فلتذهبوا جميعاً، عالية، محمد، فارس، صنعاء، إلى أسفل سافلين، يجب أن أفكر بنفسي قليلا، لا، لا، يجب أن أفكر بنفسي كثيراً، كثيراً، كثيراً، في هذا الشارع الطويل، في مدينه صنعاء، مدينه الغبار، أنا لا أفعل شيء إلا أن أبحلق في السقف، سقف غرفتي، أشكو همي، أوجاعي، لنفسي، فلا يوجد من أشكو له، أسال من أتخيلهم بجانبى، إلى متى كل هذا؟، إلى متى يا عالية؟، إلى متى يا محمد،؟ إلى متى

المزيد


روايات- رواية قبض الريح - باب رجوع

يناير 21st, 2008 كتبها مدونة ضمانات لحقوق الانسان نشر في , روايات - الادب فى خدمة الحقوق

 

(1)
 
أخرجونا جميعاً من المعهد، الأساتذه، المعيدون، المدير، وحتى العميد، خرج معنا، لم نكن متجهزين لشىء ما، وربما كانت هناك إشاعه أننا سنخرج إلى مظاهره ما ولكني لم أسمعها فقد تغيبت في الأيام الماضية، وحتى وإن أتيت إلى المعهد فأنا بالكاد أهرول عند الذهاب إلى المعهد، أتمهل عند الإياب من المعهد، لم يعد هناك أصدقاء أتحادث معهم، فهم يتغيبون كثيراً في الأيام الماضية، لكنهم اليوم جاءوا ربما لحظهم التعس، فبعد غياب فارس أربعه أيام جاء اليوم إلى المعهد ليجد أنه لا توجد دراسة وأن المضاهره هي التي سيدرسها المعهد للطلاب، وكذا الأمر بالنسبة لمحمد، الذى تغيب طوال الأسبوع الماضي ليجد أمامه في أول يوم حضور له أن لا دراسة.
 
 في الحقيقة كنت فرحاً عندما شاهدتم يحضرون ويحيطون بي، ولكن كان هذا الفرح موقناً تذكرت بعده أنهم تجاهلوني طوال الأسبوع الماضي، فعدت إلى برودي، وإنتبهت إلى ما سيقوله الأستاذ، فإذا به لا يشرح أي شيء عن المحاسبة، وإذا به وقد تحول إلى، زعيم ثوري، ثائر عادى، عالم دين مناهض، لكل شيء خلقته الحضاره الحديثة، وإرتبكت وأنا أحاول أن أفهم كلماته الثورية، وإرتبكت أيضا من توصيفا ته، من يظن نفسه، ماوتسى تونغ، تشى غيفارا، أم محمد قطب، أم ماذا ربما كان يظن نفسه أحدهم، أو ربما كان يظن نفسه قد جمع بين الكل، كل الثوار والزعماء، وبدا يصــرخ :-
 
ـ رأس الشيطان يجمع قواته على الخليج، يريد أن يدمر عاصمه الرشيد ( كان يصرخ وكأنه على منبر ) ألم يكتفي بما فعله في الحرب الأولى، هاهو الآن يريد أن ينتهي من اللعبة، يريد أن ينتهي من أخر معاقل الثورة في الشرق، من آخر الأشخاص الذى قال لأمريكا، ولرأس ماليتها، لا وألف لا، لقد قررت إداره المعهد أن يخرج كل المعهد في مظاهره، الكل سيذهب في مظاهره، ويجب أن نكون معهم، سيجتمع الكثير هناك، لا توجد دراسة اليوم.
 
أبدى البعض إمتعاضاً، أبدى الآخرون فرحاً أنه لا توجد دراسة اليوم..ومنهم فارس الذي تركنا ولم يأتى معنا إلى المظاهره وذهب إلى جواده الحديدي بحثاً عن النقود، كانت ساعتي المظاهره تعنى له ثلاث مائه ريال على الأرجح، فقد قال لنا ونحن نجتمع في حديقة المعهد إستعدادا للمسيرة:-
ـ أنا لن أذهب معكم، إذهبوا أنتم إلى المظاهره، أما أنا فلن أترك جوادي هنا، سأذهب به إلى الطرقات عسى أن اجمع ما يرزقني به الله اليوم.
ومن الممكن أن هذا هو الشيء الوحيد الذي يجعلني أتقزز منه في الفترة الأخيره فصرخت به وهو يبتعد :-
ـ على الأقل أنت لم تدعونا لإيصالنا، يا لك من، المال، المال فقط هو كل ما تريده، لا تهمك عروبتك، وكرامتك، يا عاشق البيتزا.
 صاح محمد في إذناي :-
ـ ما بالك تهاجمه بهذه الحدة!!
نظرت إلى عينيه الغاضبتين وشعرت بالخوف، وفضلت السكوت ونحن نذهب إلى شارع التحرير.
كانت المظاهره عظيمة وأن كنت أنا إهتممت أكثر بمتابعة عدسات التلفزيون والقنوات، فربما اظهر في أحدى القنوات، شاهدت مراسلي كل القنوات التي أعرفها، الجزيرة، العربية، أبو ظبي، الفضائية الكويتية، اليمنية، الخ، ما أن أشاهد المذيع يقول كلمته الختامية في نهاية تقريره حتى أبادر بالوقوف بجانبه وخمنت أنى سأظهر في ثلاث قنوات على الأرجح، كانت هذه الحركات من جانبي جعل من محمد يضحك كثيراً، ومع ذلك لم أهتم وهمست فرحاً
ـ سوف أظهر اليوم في ثلاث قنوات على الأقل!!!
ـ ستصبح نجماً مشهوراً .
لم أهتم بمداعبته وإهتممت تماماً بترديد الشعارات التي كان يطلقها شخص ما يملك ميكرفوناَ، كأن يصرخ :-
ـ أنها هجمة إمبرياليه، رأسماليه، صليبيه، صهيونية، هجمة الكفار على ديار المسلمين، فلتخرج الكفار من الاراضى العريبه.
كانت الجموع تردد كلماته بحماس :-
ـ فلتخرج الكفار من الاراضى العريبه ,؟
همس لى محمد
ـ هل نذهب إلى المطعم للعشاء ؟
ـ ألان !!نحن لم نصل إلى الخامسة عصرا .
ـ المهم ، نأكل آي شيء ، أريد أن أدعوك على أي شيء ، ولأنه ليس موعد غداء فكرت أن أسميه عشاء .
ورغم إبتسامتي الشاكرة إلا أنى في داخلي كنت أكن إحتقاراً له وهمست لنفسي كما أنا دوماً في الأيام الأخيره
ـ هذا المتعفن ، يريدني أن آكل من نقود زوجته ، بائعه الهوى ، هكذا ستكون النهاية أن نأكل طعامنا من ثمن جسد كريمه وعرق جسدها ..
ـ هه ؟ ماذا تقول ؟
ـ ما زلت شبعان أنت تعرف أننا لا نأكل طعام الغداء إلا في العصر ، ما زلت شبعان !
ـ إذا أريد وعد بقبول دعوتي في أي مكان وزمان في المرة القادمة ؟
ـ بالطبع ؟؟؟
 
وإنتهت المظاهرة ورجعت إلى المنزل ، كان المنزل قريب هذه المرة ، فلم يأخد الأمر إلا دقائق قصيرة و أصبحت بداخل المنزل ، لم أسلم على أحد ، ولم يهتم بي أحد ولا برجوعي مبكراً ، ودخلت إلى غرفتي.
 
 غرفتي غريبة في هذا الوقت فأنا لست متعوداً على التواجد بها في مثل هذا الوقت ..فأنا لا أدخلها إلا في المساء لأني أكون في المعهد ، ولم أحتمل فكره أن أظل في غرفتي حتى المساء ، فإندفعت خارجاً من المنزل ، رجعت إلى شارع التحرير الذي كان قد أصبح خالياً وهناك عند النافورة جلست أنظر إلى البعيد .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
(2)
 
إندلعت الحرب الخليجية الثالثة ، لم تنفع كل المظاهرات ، والصياح ، والإضرابات ، الأدعيه على منابر المساجد ، لم ينفع شيء ، الكل أصبح صامتاً وهو يشاهد أرتال الصواريخ وهى تسقط على بغداد وبقيه المدن العراقية ، والكويتية أيضاً، الكل أصبح خائفاً وهو يشاهد ملايين الرصاصات وهى تتطاير في الأجواء من هنا وهناك .
 
إلتقينا محمد ، فارس ، أنا ، كنا مصدومين من ما يحدث ، صممنا ثلاثتنا علي أن نقول لا ..هكذا قالها فارس ، هكذا قالها محمد ، هكذا قلتها أنا ، لا أعرف ربما نسينا أو تناسينا ما كنا نعشقه ، ما كنا نحبه ، من مشاهده العاريات ، كان التحول في أنفسنا قد أصبح ثابتاً ، فارس وبحثه عن المال ، محمد وبحثه عن الجنس ، وأنا الذي أبحث عن اللا شيء ، عن عالية ، عن وظيفة ، عن مستقبل ، ومع ذلك ، ومع كل ذلك ، إندلعت الحرب ، لنعرف أن بداخلنا ما يزال هناك ركن ينبض بالكرامة ، وكرامتنا تعض على أحاسيسنا بقوه ، تطالبنا بأن نعمل شيء .
 
 هكذا أحسست ، هكذا أحس محمد ، هكذا أحس فارس ، وبدون أي موافقة من أي شخص تجمعت الجماهير ، لوحدها ، دون أن تسعى الحكومة إلى جمعها من المدارس ، المعاهد ، الجامعات ، الوزارات ، الكل تجمع ، الكل أراد أن يقول لا ، لأنه يريد أن يقول لا ، لا لأن شخصاً ما أمره أن يقول لا ، وتدافعت الجموع إلى مبنى السفارة الامريكيه ، الكل بدون إستثناء يصرخ ، كل الأيدي بدون إستثناء كانت متشابكة ، كنت أصرخ بداخل الجموع الغفيرة ، رغم أن رأسي كأن مليئاً بالأفكار المتشابكة ، تصطدم ، وتظطرم ، كنت أصرخ ولسان حالي يقول :
 
ـ نحن السبب، نحن من فعلنا بأنفسنا ذلك ، أتسمعون ، نحن من فعلنا بأنفسنا ذلك ، بالطبع لا تسمعون لأني أصرخ بلساني معكم ، وقلبي وعقلي يقولان لي شيئاً آخر ، نعم العيب فينا أيتها الجموع الغفيرة ، العيب فينا .
 
 ما زلت أذكر ، ما زلت أذكر ، شخصا ً ما ، في قناةً ما ، كان يقول ، إذا كانت أمريكا ترى أن ما تفعله يخدم مصالحها فهذا حقها ، ما الذي ينبغي أن يفعله العرب لحماية مصالحهم ، ولخدمته مصالحهم أيضاً ، نعم إذا كان العدو يفعل ما يفعله لحماية مصالحه ، فلماذا لا نفعل نحن ذلك،  نبحث عن مصلحتنا ونعمل إلى الوصول إليها ، نعم إن العيب فينا ، إننا جميعاً مشتركون في هذه الحرب ، متهمين بهذا الدمار ، مدانين بهذا الصمت ، بهذا النسيان للجراح ، إلى متى ، يا من تصرخون ، وأنتم ذاهبون إلى هناك ، إلى السفارة الامريكيه ، إلى متى تصرخون ، سأقول لكم شيئا ربما كأن السبب في هذه الحرب ، سوف ألقى عليكم سوالا ، يا من تصرخون ، إلى متى سنتناسى الجراح ، هل ستجيبون على هذا السوال ، نعم أقصد ، جراح الظلم ، الإستبداد ، الجنون ، القهر ، غياب الحرية ، إلى متى هه ؟؟ إلى متى ؟؟ أيتها الجموع الذاهبة بسكاكينها ، وطناجرها ، إلى هناك ، إلى متى ، أتعرفون ما سبب الهزيمة ، سأقول لكم ما سبب الهزيمة .
 
 حكاية بسيطة أشاهدها كل يوم ، عندما أذهب في الطرقات ، أبحلق في عيون المارة ، باعه ومشترين لا آري إلا العيون الذليلة ، المكسورة ، المهزومة ، الحزينة ،  العيون التي ينضح منها الإحساس بالهزيمة ، بواد الذات ، بالخوف ، بالكفر بكل أنواع البطولات ، قديمها ، حديثها ، أتسمعون أيتها الجماهير ، يا من تصرخون والرعب يملا أحداقكم ، يملا حناجركم .
 
 يا للخيبة ، في هذه الآلاف المؤلفة من الأعين لا توجد عين واحده ساطعة بالأمل ، بالحلم ، بالرضاء .
 
 يا للخيبة ، في هذه الشفاه الضخمة العدد ، لا توجد شفه واحده ، تبتسم ، تنطق بأن المستقبل ربما سيكون جميلاً ، الصراع هو الغالب أيتها الجموع ، ليس صراع الأقوياء بل صراع الأخ مع أخيه ، والحبيب مع حبيبه ، ها هما ، ها هما ، بائع ، مشترى ، يتنازعان على كيلو طماطم ، أترون ..هاهو أحدهم يشرع جنبيته ، ليطعن بها الأخر شر طعنه ، وهاهو ، ها هو الزبد يتطاير من فمه الغاضب .
 
ياللخيبة أتريدون حكاية أخري أنظروا ، أنظروا ، هاهو رب الأسره ، فلان الفلانى ، أترونه أيتها الجموع الغفيرة ، هاهو يشترى بمائه ريال كيلو طماطم وعرق من الكزبرة ، وحبتي بطاطا ، وربع كيلو أرز ،ويهرع إلى سوق القات ليشترى بخمسمائة ريال قات ، ويرجع إلى بيته ، يخيل له أنه أعطى مفاتيح الجنة لأبنائه ، التسعة وزوجته الحامل بالطفل العاشر ، لا يتعلمون لأن والدهم لا يستطيع أن يستغني عن القات ، حفاه ، شبه عراه ، لأن والدهم لا ينقطع يوماً عن القات ، أسره كانت فقيرة ، ستظل فقيرة ، لا أمل لها بالصعود ، ولا أمل لكم كلكم ، الجميع ..بالصعود لأن هذه الاسره لا تصعد فأنتم أيضا لن تصعدوا ، ولانكم لن تصعدوا فستظلون فى القاع, يهزمكم حتى الحشرات يا للخيبة ، نظرات ، إبتسامات ، كلها مزيفه ، لا تسمن ولا تغنى من جوع ، يا للخيبة ..يا للخيبة .
هزني محمد ..عندما شاهدني لا أصرخ مع الجموع قائلا ً:-
ـ هل جئت معنا لتبحلق في السماء صامتاً ؟
 
وإنتبهت إلى جموع الجماهير وهى تحيط بي وتصرخ ، فصرخت معها ، كنا قد إقتربنا من مبنى السفارة ، وإزدادت خطى الجماهير سرعة ، وهناك في البعيد ، ظهرت لنا جموع الشرطة تحيط بالسفارة ، أحاطه السوار بالمعصم ، لكن هذا لم يثنى الجموع ، التي هاجمت ، بقوه ، بشراسة ، برغبة في قول شيء ، في إيصال رسالة إلى أحد ما .
 
نسيت ، أو تناسيت ، كل الصور العارية التي شاهدتها ، كل العادات السرية التي مارستها ، كل الصلوات التي لم أصلها ، وهجمت مع الجموع على قوات الشرطة ، لا أعرف ما الذي أصابني ، ما الذي أصابنا كلنا ، أصبحت رغبتنا في الهجوم ، أكبر من رغبتنا في قول شيء ، في إيصال الرسالة ، وهناك في الجانب الأخر بدأت قوات الشرطة هجومها أيضاً .
 
 لم اعد أبحث عن مراسلي القنوات الفضائية لأتصور بجانبهم ، بل كنت أبحت عن ساتر يعصمني من الرصاصات ، وأحسست بقطعه ساخنة تخترق فخذي الأيمن ، ولكني لم أهتم ، غيري من إهتم بي ، لا أعرف من حملني ، لا أعرف من الذي أخذني إلى البعيد ، إلى مكان ما ، كنت ما أزال أصرخ رغم أني كنت مبتلاً بالمياه التي قذفت علينا من رشاشات المياه ..ومبتلاً بالدماء اللزجة التي تخرج من فخذي الأيمن ، كنت أصرخ وأنا أهوى في بئر عميق .
 
 
 
 
 
 
 
(3)
 
 لم أفق إلا في المستشفي ، ها قد دفعت ثمن الوطنية ، ها قد دفعت ثمن الرفض ، شاركت بدمى النازف ، الدماء النازفة هناك ، في العراق ، فلسطين ، كل مكان ينزف فيه دم   شاركت بدمى ، ها قد دفعت ، ها قد دفعت ، كان محمد وفارس من يحيطان بي عندما أفقت ، لا والدتي موجودة ، ربما لأنها لا تهتم ، لا والدي موجود ، ربما لأنه أيضاً لا يهتم ، ولا أحد من أشقائي موجود ، ربما أنهم لا يهتمون أيضاً
 
ـ منذ متى وأنا هنا .؟
أجابني محمد أما فارس فقد كأن ينظر من النافذة إلى الشارع دون أن يهتم بالحديث :-
ـ فلتحمد الله أن الرصاصة لم تدخل في العظام ، وآلا لكنت مكثت هنا شهوراً ، لكن الرصاصة لم تدخل إلا في اللحم ، لأول مرة أكتشف أن لديك لحماً , ودم أيضاً ,من أين لك هذا ؟  
ـ نعم إخترقت الرصاصة لحمى الرخيص .
 شارك فارس في الحديث :-
ـ كلنا لا ثمن لدمائنا .. كلنا أصحاب لحم رخيص .
ـ متى سأخرج من هنا؟
ـ غداً ، غداً ، أخبرني الطبيب أنك ست

المزيد


روايات - رواية قبض الريح - باب طرق

يناير 21st, 2008 كتبها مدونة ضمانات لحقوق الانسان نشر في , روايات - الادب فى خدمة الحقوق

 

(1)
 
 
توزعت الساعات اليومية ما بين النوم ،   المعهد ، مشاهده الأخبار ، هكذا كنت أقضيها ، ربما فارس أيضاً ، ربما محمد أيضاً ، لكن هذا مستبعد ، فليس من المعقول أن يضحى فارس بالنقود التي يجمعها من الطرقات ، ليجلس إلى التلفزيون ليسمع خزعبلات الإعلام، ومن المستبعد أيضاً أن يترك محمد جسد كريمة البض ، ليشاهد وجه صدام   ، ملامح بوش    ، إلا أنا ، فلا جواد أقوده ، ولا أمراه أضاجعها ،  فقط ، النوم ، المعهد ، مشاهده التلفزيون ، كما هي العادة ، كما هي العادة ، يحضر محمد كل ثلاثة أيام محاضره ، فارس يحضر كل يومين محاضره ، يبدو أن المعهد لم يعد ضمن قائمه إهتماماتهم .
 
 أصبحت العودة على رجلاي هي العادة اليومية ، حتى عندما يأتي فارس إلى المعهد ، سرعان ما يسارع عند إنتهاء المحاضرة أو عند الإستراحة إلى الذهاب إلى الطرقات ليجمع النقود ، وغالباً ما يجمع الملازم المتراكمة عند ركن التصوير ، ويذهب بالطبع فقد أصبح يملك نقوداً ليشترى بها كل الكتب والملازم التي يريدها فماذا يريد من الحضور والتعب وضياع النقود المتناثرة في الطرقات ، أصبح كل ما يدرسه عبر الملازم ، الكتب ، أما محمد فقد أصبح هو أيضا من ذوى الأملاك ، من ذوى الأموال ، ولن يتعب نفسه هو أيضاً بالحضور ، الإستماع ، الكتابة ، فالنقود متوفرة ، وركن التصوير موجود ، فليرعى الله زمن الحضور وكتابه كل ما يقوله الدكتور ، ما يكتبه أيضا .
 
وجدي ، ذلك المتفاخر ، لا يحدثني ، كأنه إستطاع التخمين أنني بثيابي الرثة ، حضوري الدائم وعدم ذهابي إلى ركن التصوير ، أنني لا أملك مالاً ، أنني لا أرقى إلى مصادقته ، ربما كان يظن هذا ، فقد كان لا يحدثني ولا نتقابل وجهاً لوجه إلا في حضور فارس ومحمد ، يهرع إلينا ، يحدثنا ، يمازحنا ، ربما أنا من أتخيل ذلك ، خصوصا أنى أنا من بداءت معاداته وعدم الإهتمام بما يقول فربما أدرك أنى لا أحب مصادقته فإبتعد عنى .
 
 لا أعرف حقيقة ممن العيب ، منى ، منه ، من محمد وفارس اللذين لم يحاولوا أن يقربونا من بعضنا ، لست أدرى ، المهم في الأمر أن علاقتي أنا ووجدي في عدم حضور محمد وفارس كانت باردة ، باردة تماماً .
 
كل شيء لم يتغير أنا ما زلت كما أنا ، سأظل كما أنا ، أهرول في الطرقات عند ذهابي إلى المعهد ، أمشى الهوينا في الطرقات في أيابى من المعهد ، الطريق ما يزال طويل ، طويل ، لا يكاد ينتهي ، لا تبدو له نهاية ، أصبحت أعتقد أن هذه الطريق من المستحيل أن تنتهي ، إلا إلى القبر ، العدم ، فهو كما كان وسيظل ، طويل ، طويل .
 
 
 
 
  
(2)
 
 
 
توقف فارس عند بوابة الشركة التي يعمل بها وجدي ، في ذلك الصباح الغائم منذ الفجر ، كانت الأحلام ما زالت تستعمره ، حتى أنه أصيب بمرض محمد في تعليق الصور ولكنها لم تكن صور مطربات عربيات ، بل صوره ضخمه لبيل غيتس أنتزعها من إحدى المجلات الأجنبيه ، بجانب كل الصور التي يظهر فيها وهو يمتطى كل جياد التحرير ، أصبح بـيـل غيتس هو الحلم الأكبر بالنسبة له .
 
 كان متأنقاً ، فقد أزال شحوم جواده الحديدي التي إنطبعت على كفيه طوال الفترة الماضية ، عندما كان كل يوم أو كل يومين يعمل على صيانة هذا الجواد الحديدي المسن ، وثيابه أيضاً كانت نظيفة خاليه هي أيضاً من الشحوم ، وإلنقاط السود التي كانت منتشرة على ثيابه طوال الفترة الماضيه ، كان قد جاهد طوال الليلة الماضية في تخليص ثيابه مما علق بها من زيوت وشحوم ، بإختصار كأن مستعداً للذهاب إلى صديقه الجديد ، وجدي .
 
 كل ظنه ، كل ما كان يعتقده ، أنه إستطاع أن يجمع مبلغاً يستطيع أن يكون من خلاله ، وجدي أخر ، بيل غيتس آخر ، طبعا يعرف أنه سيخطو في طريق طويلة من الكفاح ، التطور المستمر ، ولكنه لم يكن يفكر إلا كيف يصبح وجدي أخر ، بيل غيتس آخر .
 
إستقبله وجدي بحرارة ، كان فقط يستقبل محمد ، فارس، بحرارة ، منشغلاً على جهازه ، يعمل على منتج جديد ، عندما إقترب منه فارس وجلس بجانبه ينظر إلى ما يفعله بإنبهار ، بدهشة ، بصبر من يريد أن يمتص إلى خياله كل حركه يقوم بها وجدي ، كأن مجرد تحريك المنتج من مكان إلى آخر على سطح الشاشة تعنى لفارس الكثير ، بل كأن يحدق وكأنه يشاهد معجزه لا قبل له بتصديقها ، رغم أنه دخل معنا إلى مقاهي الإنترنت وإستطعنا تحريك العديد من الصور الخلاعيه إلا أن هذا بالنسبة لفارس شي جديد تماماً.
 
 لا أعرف أهو تخلف من فارس آم ربما كانت دهشة حقيقية ، ووجدي الذي كان يعتقد نفسه كالساحر الذي يدهش الجمهور بإخراجه البيضة من الدجاجة ، الدجاجة من البيضة ، كان أحدهما مذهولاً ، الأخر متفاخراً .
ـ ما هذا البرنامج ؟؟أظنك أخبرتني ولكني نسيت !!
ـ الفوتوشوب .
ـ هل أستطيع أن أتعلم هذا ؟
ـ فلتبدأ أولاً بتعلم الآلف باء .
ـ أنا متعلم وأدرس معك في نفس المعهد .
ـ لا اقصد ألف باء الأبجديه ،  بل آلف باء الحاسب ، هناك برامج كثيرة يجب أن تدرسها قبل أن تدرس هذا البرنامج المعقد ، يجب أن تبدأ من الباب أضنك تفهمني ( بتفاخر أجاب وجدي )
ـ أفهمك ، أفهمك بالطبع ؟؟
ـ ويجب أيضا أن تملك نقودا فمثل هذه البرامج مكلفة للغاية ( قالها وجدي وهو يدقق النظر في بقع الزيت التي إستعصت على الصابون والمنتشرة في بعض أجزاء ثوب فارس )
ـ أنا أملك نقوداً لدى حتى الآن وهذا فقط خلال الشهر والنصف الماضي خمسون ألفاً .
ـ لا بأس بها ، لكن يجب أولاً أن تنتهي من المعهد تعرف أن الدراسة في مكانين تجعلك لا تفوز بشي لا بلح الشام أو عنب اليمـــن .
ـ سأحاول ذلك ، سأحتفظ بالنقود أحاول زيادتها حتى ينتهي المعهد ، سأحاول ذلك .
 
كان هذا هو الحديث الذي دار بينهما ، أنغمس فارس بعدها في البحلقة على الحاسب بتابع إنتقال المنتج من مكان إلى آخر على سطح الشاشة ، كان يريد أن يمتص كل حركه يقوم بها وجدي ، حتى إذا ما أحس أنه ظل طويلاً وأن وجدي نفسه أصبح ينظر إليه كل بضعه دقائق وكأنه يسأله متى يرحل ، حتى إستأذن سريعاً وذهب ، وبداء رحله البحث عن النقود ، المنتظرة في الشوارع .
 
 النقود ، النقود ، هي كل ما يبحث عنه فارس في الأونه الأخيره ، النقود هي ما يفتش عنها فارس الآن ، الشوارع بالنسبة له تحولت إلى بنك برصيد لا ينفذ ، كان يهرول بجواده في الشارع ووراءه رجل ثلاثيتي يوجهه إلى الجهة التي يريدها ، وفارس ينفذ ما يقول رغم أنه غارق في تخيلاته ، كانت إبتسامته على أخرها تمتد من أذنه اليمنى ، إلى أذنه اليسرى ، تحكى شيء واحد ، أن صاحبها يخيل أليه أنه ملك الدنيا وما فيها ، ونظراته ساهمة إلى البعيد إلى المستقبل الزاهر .
 
ـ نعم ، نعم ، هكذا يجب أن أكون ، سأهتم بالمعهد ، لم يتبق إلا شهر ، شهر واحد فقط ، وأنتهي ، وأقذف بشهادة المعهد إلى الحائط أعلقها هناك وأبداء مستقبلي الحقيقي ، كفاني سنتان من الدراسة المجانية التي لا تسمن ولا تغنى من جوع ، الآن من يريد أن يدرس يجب أن يدفع ، ها هم ، ها هم ، طلاب الجامعات ، كليه التجارة ، وأيضا خريجوا الجامعات الخاصة ينهبون الطرقات ، مئات منهم ، الآلاف منهم .؟، لا يجدون عملاً ، إلا الطرقات يتحرشون بالفتيات ، ويشاهدون مواقع الإنترنت ، ومن يملك نقوداً أكثر ذهب إلى الفندق ، ليعش ليله من المجون .
 
 أما أنا ، أما فارس فسوف لن يشاهد صوره إباحيه طوال عمره ، على الأقل حتى أصبح وجدي آخر ، سأنهى المعهد ، سأهتم بالحاسب ، فهو الذي سيضمن لي عملاً ، مرتباً كبيراً ، مكاناً في المجتمع ، مكاناً بعيد عن والدي المتعفن ، الذي يملك لساناً طويل ، طويل ، همه الوحيد هو كيف يحطمني ، سحقاً له من والد ، لن يبقى إلا القليل وأتركه ، إلى الأبد أتركه ، نعم هكذا سأكون، هكذا يجب أن أكون .
 صاح الراكب الثلاثيني :-
ـ توقف هنا !!
كان من الواضح أنه كرر الكلمة عده مرات إلا أن صاح بها في أذن فارس الغارق في تخيلاته .
ـ كم حسابك .
ـ ثمانون ريالا ؟
ورجع فارس يبحث عن راكب جديد ، نقود جديدة ، تجعله أقرب إلى تحقيق الحلم ، نقود تجعله قادراً على تحقيق الحلم ، ووجده سريعاً ، كان صومالياً خارجاً من الشركة التي يعمل بها ، أشار لفارس فتوقف ونظراته تتوزع ما بين جيب الراكب الصومالي وذلك الحلم البعيد .
             
 
 
 
 
 
 
(3)
 
 
 
في مره من المرات النادرة في الأونه الأخيره ، إجتمعنا ثلاثتنا ، فارس بداء بالحضور ، ربما لا يريد أن يتحمل أي مادة من المواد إلى الدور الثاني كي لا تأخره عن تحقيق الحلم ، ولذلك لم يكن يريد ذلك ، محمد ربما كان الملل يدب فيه من كريمة ، جسدها ، أموالها ، فأصبح المعهد بالنسبة له هو الملجأ الذي يلجاء إليه هرباً منها ، ليومين متتاليين حضر الإثنان إلى المعهد وإستمعا إلى المحاضرات ، هذا كان تطوراً كبيراً.
 
 الفرح هو الذي يستبد بى وأنا أراهما يجلسان بجانبي في القاعة ، في مطعم المعهد ، آو يحيطان بي على جواد فارس الحديدي ، يومان فقط هذا ما إستطاع الزمان أن يجود به على ، هذا ما إستطاع الزمان أن يرج

المزيد


التالي



 

 

http://clustrmaps.com/admin/3d/images/style1_gradient_white.png)  center no-repeat; text-align:center;">
  http://www4.clustrmaps.com/counter/maps.php?url=http://damanat4hr.maktoobblog.com" style="width:160px; display:block; margin:0 auto;" id="clustrMapsLink">
    http://www4.clustrmaps.com/counter/index2.php?url=http://damanat4hr.maktoobblog.com" style="border:0px; margin:0;margin:0;" alt="Locations of visitors to this page" title="Locations of visitors to this page" id="clustrMapsImg" class="reflect rheight30 ropacity30"/>
 
 

http://clustrmaps.com/admin/3d/js/clustrmaps.js">> http://clustrmaps.com/admin/3d/js/clustrmaps.js">>